ﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ

ثم كشف كتاب الله النقاب عن أشنع وجوه الظلم التي نزلت بالمسلمين على أيدي المشركين، مما يبرر انتفاضتهم ضد الظلم والطغيان، ومكافحتهم للمشركين، المعتصمين بتقاليد الجاهلية وعبادة الأوثان، فقال تعالى في وصف المؤمنين الذين ظلموا : الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا ان يقولوا ربنا الله ، مبينا أن حرية الاستقرار والإقامة بالأوطان، وحرية الضمير والوجدان، حقان أساسيان لا بد من ضمانهما لكل إنسان، ولا سيما إذا كان الأمر يتعلق بعقيدة التوحيد والإيمان.
ووضع كتاب الله أمام أنظار المؤمنين حقيقة واقعية وتاريخية لا جدال فيها ولا نزاع، ألا وهي ان الحق مهما كان نوعه لا بد له من نصرة ودفاع، فكثيرا ما يطغى الباطل ويحاول أن يسيطر سيطرة نهائية، لولا ما يقف في وجهه من حركات الدفاع المضاد، التي تدفع بالطغاة الظالمين إلى الهاوية. وهذه الحقيقة هي التي عبر عنها كتاب الله بمنتهى الدقة والوضوح في قوله تعالى : ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض [ البقرة : ٢٥١ ] وإليها يشير قوله تعالى هنا مع ذكر المثال : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ، مما يدل على أن العقائد والأديان، إنما هي مدينة بوجودها وبقائها لمن دافعوا عنها بحماس وإيمان، ولولا ذلك لدخلت كلها في خبر كان.
ومما يحسن التنبيه إليه في هذا المقام ما في هذه الآية الكريمة من ذكر لجملة من معابد الملل الأخرى إلى جانب " المساجد " التي هي بيوت الله، والإتيان بها جميعا في صعيد واحد، ففي ذلك تلميح لطيف إلى مبدأ الإسلام الأساسي القائل : " لا إكراه في الدين "، وإشارة واضحة، إلى أن الإسلام يضمن لمخالفيه حرية الاعتقاد، وأنه كما لا يسمح بالاعتداء على معابده ومقدساته لا يسمح بالاعتداء على معابدهم ومقدساتهم أيضا. قال ابن خويز منداد : " هذه الآية تضمنت المنع من هدم كنائس أهل الذمة وبيعهم وبيوت نيراهم "، وقال القرطبي : " إنما لم ينقض ما في بلاد الإسلام لأهل الذمة، لأنها جرت مجرى بيوتهم وأموالهم التي عوهدوا على صيانتها ".
وقوله تعالى هنا : يذكر فيها اسم الله بعد ذكر الصوامع والبيع والصلوات والمساجد يعود الضمير فيها على المساجد دون إشكال، ويمكن أن يعود حتى على الصوامع والبيع والصلوات، باعتبار ما كان عليه الأمر فيها قبل أن ينحرف أهلها عن دين الحق ويدخلوا فيه البدع والمحدثات.

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير