ﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂ

ثم وصف هؤلاء المؤمنين بقوله : الذين أُخْرِجُوا مِن ديارهم بِغَيْرِ حَقّ ويجوز أن يكون بدلاً من الذين يقاتلون، أو في محل نصب على المدح، أو محل رفع بإضمار مبتدأ، والمراد بالديار : مكة إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا الله قال سيبويه : هو استثناء منقطع، أي لكن لقولهم : ربنا الله أي أخرجوا بغير حق يوجب إخراجهم لكن لقولهم : ربنا الله. وقال الفراء والزجاج : هو استثناء متصل، والتقدير : الذين أخرجوا من ديارهم بلا حق إلا بأن يقولوا : ربنا الله، فيكون مثل قوله سبحانه : هل تنقمون منا إلا آمنا [ المائدة : ٥٩ ] وقول النابغة :

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
وَلَوْلاَ دفع الله الناس قرأ نافع :«ولولا دفاع » وقرأ الباقون : ولولا دفع والمعنى : لولا ما شرعه الله للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء لاستولى أهل الشرك، وذهبت مواضع العبادة من الأرض، ومعنى لَهُدمَتْ : لخربت باستيلاء أهل الشرك على أهل الملل. فالصوامع : هي صوامع الرهبان. وقيل : صوامع الصابئين، والبيع : جمع بيعة، وهي كنيسة النصارى، والصلوات : هي كنائس اليهود، واسمها بالعبرانية صلوثا بالمثلثة فعربت، والمساجد هي مساجد المسلمين، وقيل : المعنى : لولا هذا الدفع لهدّمت في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد المساجد. قال ابن عطية : هذا أصوب ما قيل في تأويل الآية. وقيل : المعنى : ولولا دفع الله ظلم الظلمة بعدل الولاة ؛ وقيل : لولا دفع الله العذاب بدعاء الأخيار، وقيل : غير ذلك. والصوامع : جمع صومعة، وهي بناء مرتفع، يقال : صمع الثريدة : إذا رفع رأسها، ورجل أصمع القلب، أي حادّ الفطنة، والأصمع من الرجال : الحديد القول. وقيل : الصغير الأذن. ثم استعمل في المواضع التي يؤذن عليها في الإسلام. وقد ذكر ابن عطية في صلوات تسع قراءات، ووجه تقديم مواضع عبادات أهل الملل على موضع عبادة المسلمين كونها أقدم بناء وأسبق وجوداً. والظاهر من الهدم المذكور معناه الحقيقي كما ذكره الزجاج وغيره. وقيل : المراد به المعنى المجازي، وهو تعطلها من العبادة، وقرئ : لهدّمت بالتشديد، وانتصاب كثيراً في قوله : يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً على أنه صفة لمصدر محذوف أي : ذكراً كثيراً، أو وقتاً كثيراً، والجملة صفة للمساجد، وقيل : لجميع المذكورات. وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ اللام هي جواب لقسم محذوف، أي والله لينصر الله من ينصره، والمراد بمن ينصر الله : من ينصر دينه وأولياءه. والقويّ : القادر على الشيء، والعزيز : الجليل الشريف قاله الزجاج. وقيل : الممتنع الذي لا يرام ولا يدافع ولا يمانع.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، والنسائي وابن ماجه والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : لما أخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر : أخرجوا نبيهم إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكنّ القوم، فنزلت : أُذِنَ لِلَّذِينَ يقاتلون بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا الآية. قال ابن عباس : وهي أوّل آية نزلت في القتال. قال الترمذي : حسن، وقد رواه غير واحد عن الثوري، وليس فيه ابن عباس. انتهى. وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : الذين أُخْرِجُواْ مِن ديارهم أي من مكة إلى المدينة بغير حق، يعني : محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عثمان بن عفان قال : فينا نزلت هذه الآية : الذين أُخْرِجُوا مِن ديارهم بِغَيْرِ حَقّ والآية بعدها، أخرجنا من ديارنا بغير حق، ثم مكنّاهم في الأرض أقمنا الصلاة وآتينا الزكاة وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر فهي لي ولأصحابي.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عليّ بن أبي طالب قال : إنما أنزلت هذه الآية في أصحاب محمد : وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس الآية قال : لولا دفع الله بأصحاب محمد عن التابعين لهدّمت صوامع. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : لَّهُدّمَتْ صوامع الآية قال : الصوامع التي تكون فيها الرهبان، والبيع : مساجد اليهود وصلوات : كنائس النصارى، والمساجد : مساجد المسلمين. وأخرجا عنه قال : البيع : بيع النصارى، وصلوات : كنائس اليهود. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله : الذين إِنْ مكناهم فِي الأرض قال : أرض المدينة أقاموا الصلاة قال : المكتوبة وآتوا الزكاة قال : المفروضة وَأَمَرُوا بالمعروف قال : بلا إله إلا الله وَنَهَوْا عَنِ المنكر قال : عن الشرك بالله وَلِلَّهِ عاقبة الأمور قال : وعند الله ثواب ما صنعوا.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية