[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٧٤ الى ٧٧]
مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، مَا عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ وَمَا عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وَلَا وَصَفُوهُ حَقَّ صِفَتِهِ إِنْ أَشْرَكُوا بِهِ مَا لَا يَمْتَنِعُ مِنَ الذُّبَابِ وَلَا يَنْتَصِفُ مِنْهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ.
اللَّهُ يَصْطَفِي، يَعْنِي يَخْتَارُ مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا، وَهُمْ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَعِزْرَائِيلُ وَغَيْرُهُمْ، وَمِنَ النَّاسِ، يعني: يَخْتَارُ مِنَ النَّاسِ رُسُلًا مِثْلَ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الأنبياء [صلوات الله عليهم أجمعين] [١]، نَزَلَتْ حِينَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا [ص:
٨] فأخبره أَنَّ الِاخْتِيَارَ إِلَيْهِ يَخْتَارُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلقِهِ، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، يعني: سَمِيعٌ لِقَوْلِهِمْ بَصِيرٌ بِمَنْ يَخْتَارُهُ لِرِسَالَتِهِ.
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا قَدَّمُوا، وَما خَلْفَهُمْ، مَا خَلَّفُوا. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مَا عَمِلُوا وَمَا خَلْفَهُمْ مَا هُمْ عَامِلُونَ مِنْ بَعْدُ. وَقِيلَ: مَا بين أيدي ملائكته ورسله قبل أن يخلقهم وما خلفهم أي ويعلم مَا هُوَ كَائِنٌ بَعَدَ فَنَائِهِمْ. وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا، يعني: صَلُّوا لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ، أي: وحدوه، وَافْعَلُوا الْخَيْرَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صِلَةُ الرَّحِمِ وَمَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، لِكَيْ تَسْعَدُوا وَتَفُوزُوا بِالْجَنَّةِ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ عِنْدَ [٢] قِرَاءَةِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يُسْجَدُ عندها وهو قول عمرو وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَاحْتَجُّوا بِمَا:
«١٤٦٨» أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ أَنَا أبو
- قتيبة هو ابن سعيد، ابن لهيعة هو عبد الله.
- وهو في «شرح السنة» ٧٦٦ بهذا الإسناد.
- وهو في «سنن الترمذي» ٥٧٨ عن قتيبة بهذا الإسناد.
- وأخرجه أبو داود ١٤٠٢ والدارقطني ١/ ٤٠٨ والحاكم ١/ ٢٢١ وأحمد ٤/ ١٥١ والواحدي في «الوسيط» ٣/ ٢٨١ والبيهقي ٢/ ٣١٧ من طرق عن ابن لهيعة به.
- وإسناده ضعيف، وله علتان: ضعف ابن لهيعة، وشيخه مشرح بن هاعان قال عنه الحافظ في «التقريب» : مقبول.
- وقال الذهبي في «الميزان» ٤/ ١١٧: صدوق لينه ابن حبان، وقال عثمان بن سعيد عن ابن معين: ثقة، وقال ابن حبان: يروي عن عقبة مناكير لا يتابع عليها، فالصواب ترك ما انفرد به اهـ.
- وعجزه ضعيف، وهو قوله «فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما» بل هو منكر، وهو إما من مناكير ابن لهيعة حيث اختلط، أو من شيخه مشرح، وأيّا كان فعجز الحديث ضعيف منكر.
- وقد ضعفه الترمذي بقوله: هذا حديث ليس إسناده بذاك القوي.
(١) في المطبوع «عليهم السّلام».
(٢) في المطبوع «عقيب».
الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ أَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ أَنَا قتيبة أنا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ مِشْرَحِ بْنِ هَاعَانَ [١] عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ بِأَنَّ فِيهَا سجدتين؟ فقال: «نعم، من لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا».
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ هَاهُنَا وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وأصحاب الرأي، [وعدد سجدات القرآن أربع عشرة سجدة عِنْدَ] [٢] أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهَا ثَلَاثٌ فِي الْمُفْصَّلِ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمُفْصَّلِ سُجُودٌ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
«١٤٦٩» وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي «اقْرَأْ»، وَ «إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ».
وَأَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْإِسْلَامِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي سُجُودِ (ص) فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ سُجُودُ شُكْرٍ لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يَسْجُدُ فيها، يروى ذَلِكَ عَنْ عُمْرَ، وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، فَعِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقَ وَأَحْمَدَ وَجَمَاعَةٍ سُجُودُ القرآن خمس
- وأما الألباني فذكر الحديث في «ضعيف سنن أبي داود» ٣٠٣ وفي ذلك نظر، فإن لصدره شواهد منها:
- حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاص: أخرجه أبو داود ١٤٠١ وابن ماجه ١٠٥٧ والحاكم ١/ ٢٢٣ والبيهقي ٢/ ٧٩ وإسناده ضعيف، فيه عبد الله بن منين مجهول، وعنه الحارث بن سعيد العتكي، لا يعرف.
وقال الحاكم عقبه: رواية مصريون، واحتج الشيخان بأكثر الرواة! وسكت الذهبي! وقال الزيلعي في «نصب الراية» ٢/ ١٨٠: قال عبد الحق: ابن منين لا يحتج به، قال ابن القطان: وذلك الضعف حيث فيه الجهالة فقط، ومع ذلك فقد أدخله الألباني في «ضعيف سنن أبي داود» ٣٠١؟!.
- وله شاهد مرسل، أخرجه أبو داود في «المراسيل» ص ١١٣ عن خالد بن معدان، ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي ٢/ ٣١٧ ونقل عن أبي داود قوله: وقد أسند هذا الحديث، ولا يصح اهـ.
ومراده والله أعلم أن هناك من وصل مرسل ابن معدان، والصواب إرساله.
ومع ذلك يصلح شاهدا للموصول المتقدم، وما قبله.
- وقد ورد موقوفا عن جماعة من الصحابة، أسند ذلك كله الحاكم في «المستدرك» ٢/ ٣٩٠- ٣٩١ والبيهقي ٢/ ٣١٧- ٣١٨ وكذا الدارقطني ١/ ٤٠٨- ٤١٠ وقال الحاكم: قد صحت الرواية فيه من قول عمر وابنه وابن عباس وابن مسعود وأبي موسى وأبي الدرداء وعمار.
- فهذه الموقوفات مع المرسل مع الموصول المتقدم تشهد لصدر حديث عقبة دون عجزه وترقى به إلى درجة الحسن والله أعلم.
- وانظر «أحكام القرآن» ١٥١٩.
١٤٦٩- صحيح. أخرجه مسلم ٥٧٨ وأبو داود ١٤٠٧ والترمذي ٥٧٣ والنسائي ٢/ ١٦٢ وابن ماجه ١٠٥٨ وابن حبان ٦٧٦٧ وابن خزيمة ٥٥٤ والدارمي ١/ ٣٤٣ من طرق عن سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن عطاء بن ميناء عن أبي هريرة.
- وأخرجه البخاري ١٠٧٤ ومسلم ٥٧٨ والنسائي ٢/ ١٦١ وابن حبان ٢٧٦١ والدارمي ١/ ٣٤٣ من طرق عن أبي سلمة عن أبي هريرة بنحوه. [.....]
(١) في المطبوع «عاهان».
(٢) ما بين الحاصرتين في المطبوع «وعدة سجود القرآن أربعة عشر».
معالم التنزيل
محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي
عبد الرزاق المهدي