قوله : فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ يجوز أن تكون هذه الجملة في محل نصب على الحال، إما من ضمير " وُضِعَ " وفيه ما تقدم من الإشكال.
وأمَّا من الضمير في " بِبَكَّةَ " وهذا على رأي مَنْ يُجِيز تعدد الحال لذي حالٍ واحدٍ.
وإما من الضمير في " للعالمِينَ "، وإما من " هُدًى "، وجاز ذلك لتخصُّصِه بالوَصْف، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في " مُبَارَكاً ".
ويجود أن تكون الجملة في محل نصب ؛ نعتاً لِ " هُدًى " بعد نعته بالجار قبله. ويجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفةً، لا محل لها من الإعراب، وإنما جِيء بها بياناً وتفسيراً لبركته وهُداه، ويجوز أن يكون الحال أو الوصف على ما مر تفصيله هو الجار والمجرور فقط، و " آياتٌ " مرفوع بها على سبيل الفاعلية لأن الجار متى اعتمد على أشياء تقدمت أول الكتاب رفع الفاعل، وهذا أرجح مِنْ جَعْلِها جملةً من مبتدأ وخبر ؛ لأن الحالَ والنعتَ والخبرَ أصلها : أن تكون مفردة، فما قَرُب منها كان أولى، والجار قريب من المفرد، ولذلك تقدَّم المفردُ، ثم الظرفُ، ثم الجملة فيما ذكرنا، وعلى ذلك جاء قوله تعالى : وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ [ غافر : ٢٨ ]، فقدم الوصف بالمفرد " مُؤمِنٌ "، وثَنَّى بما قَرُبَ منه وهو مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ [ البقرة : ٤٩ ]، وثلَّث بالجملة وهي يَكْتُمُ إِيمَانَهُ وقد جاء في الظاهر عكس هذا، وسيأتي الكلام عليه - إن شاء الله - عند قوله : بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ [ المائدة : ٤٥ ].
قوله : مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً فيه أوْجُه :
أحدها : أن " مَقَام " : بدل من " آيَاتٌ " وعلى هذا يقال : إن النحويين نَصُّوا على أنه متى ذكر جَمع لا يُبْدَل منه إلا ما يُوَفِّي بالجمع، فتقول : مررت برجال زيد وعمرو وبكر ؛ لأن أقل الجمع - على الصحيح - ثلاثة، فإن لم يُوَفِّ، قالوا : وجب القطع عن البدلية، إما إلى النصب بإضمار فِعْل، وإما إلى الرفع، على مبتدأ محذوف الخبر، كما تقول - في المثال المتقدم - زيداً وعمراً، أي : أعني زيداً وعمراً، أو زيد وعمرو، أي : منهم زيد وعمرو.
ولذلك أعربوا قول النابغة الذبياني :[ الطويل ]
| تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا | لِسِتَّةِ أعْوَامٍ وَذَا العَامُ سَابِعُ |
| رَمَادٌ كَكُحْلِ الْعَيْنِ لأْياً أبينُهُ | وَنُؤيٌ كَجِذْمِ الْحَوْضِ أثْلَمُ خَاشِعُ٩ |
وفي الآية الكريمة - هنا - لم يُذْكَر بعد الآيات إلا شيئان : المقام، وأمن داخله، فكيف يكون بَدَلاً ؟
وهذا الإشكال - أيضاً - وارد على قول مَنْ جعلَه خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي : هي مقام إبراهيم، فكيف يُخْبِر عن الجمع باثنين ؟
وفيه أجوبة :
أحدها : أن أقلَّ الجمع اثنان - كما ذهب إليه بعضهم.
قال الزمخشري : ويجوز أن يُراد : فيه آيات مقام إبراهيم، وأمن من دخله ؛ لأن الاثنين نَوْعٌ من الجَمْع، كالثلاثة والأربعة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" الاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ ".
قال الزجَّاج : ولفظ الجمع قد يُستعمل في الاثنين، قال تعالى : إِن تَتُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [ التحريم : ٤ ].
وقال بعضهم : تمام الثلاثة قوله : وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ وتقدير الكلام : مقام إبراهيم، وأن من دخله كان آمناً، وأن لله على الناس حَجَّ البيت، ثم حذف " أن " اختصاراً، كما في قوله : قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ [ الأعراف : ٢٩ ] أي : أمر ربي أن اقسطوا.
الثاني : أن مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وإن كان مفرداً لفظاً إلا أنه يشتمل على آياتٍ كثيرةٍ، بمعنيين :
أحدهما : أن أثر القدمين في الصخرة الصَّمَّاء آية، وغَوصَهما فيها إلى الكعبين آية أخْرَى ؛ وبعض الصخرة دون بعض آيةٌ، وإبقاؤه على مر الزمان، وحفظه من الأعداء الكثيرة آية، واستمراره دون آيات سائر الأنبياء خلا نبينا صلى الله عليه وعلى سائرهم آية، قال معناه الزمخشري.
وثانيهما : أن مقام إبراهيم بمنزلة آيات كثيرة لأن ما كان معجزة لنبي فهو دليل على وجود الصانع وعلمه وقدرته وإرادته وحياته، وكونه غنيا منزها، مقدسا عن مشابهة المحدثات، فمقام إبراهيم وإن كان شيئا واحدا إلا أنه لما حصل فيه هذه الوجوه الكثيرة بمنزلة الآيات، كقوله تعالى : إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ( النحل : ١٢٠ ) قاله ابن الخطيب.
الثالث : أن يكون هذا من باب الطي، وهو أن يذكر جمع، ثم يؤتى ببعضه، ويسكت عن ذكر باقيه لغرض للمتكلم، ويسمى طيا.
وأنشد الزمخشري عليه قول جرير :[ البسيط ]
| كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم | من العبيد، وثلث من مواليها١٠ |
لا يقال إن الثالثة قوله صلى الله عليه وسلم :" جعلت قرة عيني في الصلاة " ١١ لأنها ليست من دنياهم، إنما هي من الأمور الأخروية.
وفائدة الطي –عندهم- تكثير ذلك الشيء، كأنه تعالى لما ذكر من جملة الآيات هاتين الآيتين قال : وكثير سواهما.
وقال ابن عطية :" والأرجح –عندي- أن المقام، وأمن الداخل، جعلا مثالا مما في حرم الله- تعالى- من الآيات، وخصا بالذكر ؛ لعظمهما، وأنهما تقوم بهما الحجة على الكفار ؛ إذ هم مدركون لهاتين الآيتين بحواسهم ".
الوجه الثاني : أن يكون مقام إبراهيم عطف بيان، قاله الزمخشري.
ورد عليه أبو حيان هذا من جهة تخالفهما تعريفا وتنكيرا، فقال : وقوله مخالف لإجماع البصريين والكوفيين، فلا يلتفت إليه، وحكم عطف البيان عند الكوفيين حكم النعت، فيتبعون النكرة نكرة، والمعرفة معرفة، ويتبعهم في ذلك أبو علي الفارسي. وأما البصريون، فلا يجوز –عندهم- إلا أن يكونا معرفتين، ولا يجوز أن يكونا نكرتين، وعلى شيء أورده الكوفيون مما يوهم جواز كونه عطف بيان جعله البصريون بدلا، ولم يقم دليل للكوفيين ؛ وستأتي هذه المسألة إن شاء الله- عند قوله : من ماء صديد ( إبراهيم ١٦ ) وقوله : من شجرة مباركة زيتونة ( النور ٣٥ ) ولما أول الزمخشري مقام إبراهيم وأمن داخله –بالتأويل المذكور –اعترض على نفسه بما ذكرناه من إبدال غير الجمع من الجمع- وأجاب بما تقدم، واعترض- أيضا- على نفسه بأنه كيف تكون الجملة عطف بيان للأسماء المفردة ؟ فقال :" فإن قلت : كيف أجزت أن يكون مقام إبراهيم والأمن عطف بيان للآيات. وقوله : ومن دخله كان آمنا جملة مستأنفة، إما ابتدائية وإما شرطية ؟
قلت : أجزت ذلك من حيث المعنى ؛ لأن قوله : ومن دخله كان آمنا دل على أمن من دخله، وكأنه قيل : فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله، ألا ترى أنك لو قلت : فيه آية بينة، من دخله كان آمنا صح ؛ لأن المعنى : فيه آية بينة أمن من دخله ".
قال أبو حيان :" وليس بواضح ؛ لأن تقديره - وأمنَ الداخل - هو مرفوع، عطفاً على " مَقَام إبراهيم " وفسر بهما الآيات، والجملة من قوله : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً لا موضع لها من الإعراب، فتدافعا، إلا إن اعتقد أن ذلك معطوف على محذوف، يدل عليه ما بعده، فيمكن التوجيه، فلا يجعل قوله : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً في معنى : وأمن داخله، إلا من حيث تفسير المعنى، لا تفسير الإعراب ".
قال شهاب الدين :" وهي مُشَاحَّةٌ لا طائلَ تحتَها، ولا تدافع فيما ذكر ؛ لأن الجملة متى كانت في تأويل المفرد صح عطفُها عليه ".
الوجه الثالث : قال المبرد :" مَقَامُ " مصدر، فلم يُجْمَع، كما قال : خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ [ البقرة : ٧ ] والمراد : مقامات إبراهيم، وهي ما أقامه إبراهيم من أمور الحج، وأعمال المناسك، ولا شك أنها كثيرة، وعلى هذا، فالمراد بالآيات : شعائر الحج، كما قال تعالى : وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ
[ الحج : ٣٢ ].
الوجه الرابع : أن قوله : مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ خبر مبتدأ مضمر، تقديره : أحدها، أي : أحد تلك الآيات البينات مقام إبراهيم، أو مبتدأ محذوف الخبر، تقديره : منها، أي : من الآيات البيِّنات " مقام إبراهيم ".
وقال بعضهم : مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ لا تعلُّقَ له بقوله : فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ ، فكأنه - تعالى - قال : فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ ومع ذلك فهو مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ومَقَرُّه، والموضع الذي اختاره، وعَبَدَ الله فيه ؛ لأن كل ذلك من الخِلال التي بها تَشَرَّف وتَعَظَّم.
وقرأ أبَيّ وعُمَر وابنُ عباس ومُجَاهِدٌ وأبو جعفر المديني - في رواية قتيبة - آية بيِّنة - بالتوحيد١٢، وتخريج " مَقَامُ " - على الأوجه المتقدِّمة - سَهْل، من كونه بدلاً، أو بياناً - عند الزمخشري - أو خبر مبتدأ محذوف وهذا البدل متفق عليه ؛ لأن البصريين يُبْدِلون من النكرة مطلقاً، والكوفيون لا يبدلون منها إلا بشرط وَصْفها، وقد وُصِفَتْ.
فصل
قال المفسرون : الآيات منها مقام إبراهيم، وهو الحَجَر الذي وضعه إبراهيم تحت قدميه، لمَّا ارتفع بنيان الكعبة، وضَعُفَ إبراهيم عن رَفْع الحجارة، قام على هذا الحجر، فغاصت فيه قدماه.
وقيل : إنه جاء زائراً من الشام إلى مكة وكان قَدْ حلف لامرأته أن لا ينزلَ بمكة حتى يرجع، فَلَمَّا رجع إلى مكة قالت له أم إسماعيل : انزل حتى تغسل رأسك، فلم ينزل، فجاءته بهذا الحجر، فوضعته على الجانب الأيمن، فوضع قدمه عليه حتى غسلت أحد جانبي رأسه، ثم حولته إلى الجانب الأيسر، حتى غسلت الجانبَ الآخرَ، فبقي أثرُ قدميه عليه، فاندرس من كَثْرَةِ المَسْحِ بالأيدي.
وقيل : هو الحجر الذي قام عليه إبراهيم - عليه السلام - عند الأذان بالحج.
قال القفّال :" ويجوز أن يكون إبراهيم قام على ذلك الحجر في هذه المواضع كلِّها ".
وقيل : مقام إبراهيم ؛ هو جميع الحرم، كما تقدم عن المبرد.
ومن الآيات - أيضاً - الحجر الأسود، وزمزم، والحطيم، والمشاعر كلها.
ومن الآيات ما تقدم ذكره من أمر الطير والصيد، وأنه بلد صدر إليها الأنبياء والمرسلون، والأولياء والأبرار، وأن الطاعة والصدقة فيه، يُضاعف ثوابُها بمائة ألف.
والمقام هو في المسجد الحرام، قُبالَة باب البيت.
وروي عن ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص أنهما قالا : الحجر الأسود، والمقام من الجنة.
قال الأزرقي : ذرع المقام ذراع، وسعة أعلاه أربعة عشر إصْبَعاً في أربعة عشر إصبعاً، ومن أسفله مثل ذلك، وفي طرفيه - من أعلاه وأسفله - طوقان من ذهب، وما بين الطوقين من الحجر من المقام بارز، لا ذهب عليه، طوله من نواحيه كلها تِسعة أصابع، وع
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود