مصدر، ويتناول الواحد والجمع، فإذا اعتبر بالمحسوس فهي
المناسك، وإذا اعتبر بالمعقول فأفعال إبراهيم المتقدم ذكرها.
قوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)
السبيل: إمكان الوصول إليه، كقوله تعالى: (فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ) والاستطاعة: استدعاء الطاعة، كان النفس بالقدرة تستدير طاعة الشيء لها، والقدرة والطاقة، والاستطاعة والجهد والوسع متقاربة، وقد
تقدم ذلك، وقولهم: لا يستطيع كذا. تارة يقال لنفي القدرة.
وتارة لنفي الخفة، فإن قوله: (لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا) أي
يستثقلونه، لا لأنهم لا يقدرون عليه، وتمام استطاعة العبادة
ثلاث: الأول: استطاعة نفسية، وهي المعرفة بها، أو التمكن
من معرفتها.
والثاني: استطاعة بدنية، وهي أن يكون صحيح البدن قادراً على إقامتها. والثالث: استطاعة من خارج، وهي وجود الآلة التي بها يتمكن من فعلها، ومتى اجتمعت الثلاثة فقد حصل تمام الاستطاعة.
وإلا فالاستطاعة معدومة أو قاصرة.
وقول النبي - ﷺ -: "الاستطاْعة: الزاد والراحلة"
متناولة للخارجة دون البدنية والنفسيّة، وخصّها - ﷺ - بالذكر لما كان معلوماً عندهم أن بافتقاد الأوليين لا يُكلَّف.
وكأن القوم قد شكوا أن الفقير الذي تبعد مسافته، ولا يتمكن من زاد وراحلة هل يلزمه الحج؟ فراجعوه، فبيّن - ﷺ - لهم ذلك، ولم تتناول الآية العبد، لأنه لا ملك له في قول جُل الفقهاء، وفي قول بعضهم سيده أولى بما في يده، وله أن يمنعه باتفاق، وكذا المرأة إذا لم يكن
لها محرم، هذا قول الفقهاء، فأما الصوفية فقد قالوا: الزاد
التقوى، لقوله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)
والراحلة صحةُ البدن، وقد عبر عن البدن بذلك في قوله: "إن
المنبّت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى".
وقال بعضهم: فيه مع إرادة هذا المعنى تنبيه على معنى أبلغ من ذلك البيت جنة المأوى،
لقوله: (ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) ولما لم يكن للإِنسان
سبيل إلى ذلك إلا بحسن، عبادته صار ذلك حقّا على الناس.
ولذلك أكَّد لفظه، وخصّه بما لم يخص به شيئاً من العبادات.
فقال (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ).
وقال بعض الصوفية: في الحج إشارات اقتضت تأكيد لفظ الأمر به.
وذاك أن في العقد به إشارة إلى معاقدة الولاء المعني بقوله: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)، وبالتلبية إلى الإِجابة له فيما دعا إليه، وبالتجرد إلى التجرد من
الدنيا، وأنه عاد كما خرج من بطن أمه، وبالوقوف إلى الوقوف
ببابه، وبالسعي إلى السعي إليه، وبالطواف إلى محلِّ القربة
منه، قال: ولذلك حقّ على المسلم أن يتغير حاله بعد حجه
عما كان عليه قبل، ولهذا قال - ﷺ -: " من حج فلم يفسق ولم يرفث كان كيوم ولدته أمه "، يعني لم يفسق ولم يرفث بعد رجوعه من
الحج، ولم يعن في الحج، فإن ذلك مدلول عليه بقوله: (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ).
وقوله: (وَمَن كفَرَ) قال ابن عباس: من كفر بوجوب الحج عليه، وعلى هذا ما ورد أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - عن ذلك فقال: "مَنْ إن حج لم يَرجُ ثوابه، وإن جلس لم يخف عقابه "
وأما من تركه ممن يري وجوبه لم يكن كافرا
وإن كان عاصيا، وقيل: الكفر كفران: كفر تام، وهو إنكار
الوحدانية، أو ما يجري مجراه، وكفر ناقص، وهو الإِخلال
ببعض العبادات، التي هي أركان الدين: كالصلاة والزكاة والحج.
ولهذا قال - ﷺ -: "من ترك الصلاة فقد كفر"،
وقال - ﷺ -: "من مات وعليه حج الإِسلام فلا عليه أن يموت إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا".
وإنما قال: (غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) تنبيهاً أن قوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ) ليس لحاجة به، وإنما ذلك
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار