ﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠ ﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞ

قُلْ: فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فلم يأتوا، فقال عزّ وجلّ: فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
».
قال الزّجاج: «في هذه الآية أعظم دلالة لنبوّة محمد نبينا صلّى الله عليه وسلّم، أخبرهم أنه ليس في كتابهم، وأمرهم أن يأتوا بالتوراة، فأبوا، يعني عرفوا أنه قال ذلك بالوحي».
الثاني- ما حرّمه الله في التّوراة على بني إسرائيل من الأطعمة كالشحوم وغيرها عقوبة لهم على معاصيهم، كما قال تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء ٤/ ١٦٠]، وقال: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ إلى قوله: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ، وَإِنَّا لَصادِقُونَ [الأنعام ٦/ ١٤٦].
ويرى الكلبي: أنه لم يحرّم الله عزّ وجلّ لحوم الإبل في التوراة عليهم، وإنما حرمه بعد التوراة بظلمهم وكفرهم، وكان بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنبا عظيما، حرم الله تعالى عليهم طعاما طيّبا، أو صبّ عليهم رجزا وهو الموت، فذلك قوله تعالى: فَبِظُلْمٍ... وقوله: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا....
ودلّت الآيات صراحة على اتّفاق شريعة القرآن مع ملّة إبراهيم، بل وملل الأنبياء قاطبة في الدّعوة إلى توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، ومحاربة الشرك والوثنية، واتّباع الإسلام بالمعنى العام: وهو الخضوع والانقياد إلى الله تعالى في كلّ ما أمر به وما نهى عنه.
منزلة البيت الحرام وفرضية الحج
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٩٦ الى ٩٧]
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧)

صفحة رقم 10

الإعراب:
بِبَكَّةَ صلة الذي، وتقديره: استقرّ ببكّة. مُبارَكاً وَهُدىً منصوبان على الحال من ضمير: استقر. مَقامُ إِبْراهِيمَ مبتدأ وخبره محذوف تقديره: من الآيات مقام إبراهيم.
وقيل: هو بدل من الآيات. وَمَنْ دَخَلَهُ معطوف على مقام. ويجوز كونه مبتدأ منقطعا عما قبله، وكانَ آمِناً خبر المبتدأ. مَنِ اسْتَطاعَ إما بدل مجرور من الناس، وإما مرفوع بالمصدر وهو: حج البيت، وتقديره: أن يحج، ويجوز إضافة المصدر إلى المفعول، أو مرفوع على أن مَنْ شرطية مبتدأ، واستطاع: مجزوم بمن، وجواب الشرط محذوف تقديره، فعليه الحج.
والهاء في إِلَيْهِ إما عائدة على الحج أو على البيت.
البلاغة:
لَلَّذِي بِبَكَّةَ حذف الموصول للتفخيم وتقديره: للبيت الذي ببكّة.
وَمَنْ كَفَرَ وضع موضع «ومن لم يحجّ» تأكيدا لوجوبه. وكان إيجاب الحج بالجملة الاسمية للدلالة على الثبات والاستمرار. وفي الآية تدرج من التعميم إلى التخصيص، ومن الإبهام إلى التبيين، ومن الإجمال إلى التفصيل.
المفردات اللغوية:
بِبَكَّةَ مكّة، أبدلت ميمها باء، والعرب كثيرا ما تبدل الباء ميما وبالعكس، وسميت بذلك لأنها تبك أعناق الجبابرة، أي تدقها. مُبارَكاً أي ذا بركة وكثير الخيرات. وَهُدىً لِلْعالَمِينَ لأنه قبلتهم. آياتٌ بَيِّناتٌ علامات ودلائل. مَقامُ إِبْراهِيمَ موضع قيامه وعبادته، وفيه الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت، فأثر قدماه فيه، وبقي إلى الآن، مع تطاول الزمان، وتداول الأيدي عليه. وهو من الآيات البينات، التي منها تضعيف الحسنات فيه وأن الطير لا يعلوه. حِجُّ الْبَيْتِ الحج لغة: القصد، شرعا: قصد بيت الله الحرام للنّسك.
سَبِيلًا طريقا، فسّره صلّى الله عليه وسلّم- فيما رواه الحاكم وغيره- بالزّاد والرّاحلة. وَمَنْ كَفَرَ بالله أو بما فرضه من الحجّ. فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ عن الإنس والجنّ والملائكة وعن عبادتهم.
سبب النزول:
نزول آية وَمَنْ كَفَرَ:
أخرج سعيد بن منصور عن عكرمة قال: لما نزلت: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً الآية، قالت اليهود: فنحن مسلمون، فقال لهم النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «فرض الله على المسلمين حجّ البيت»، فقالوا:

صفحة رقم 11

لم يكتب علينا، وأبوا أن يحجّوا، فأنزل الله: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ.
وقد ذكرت عن مجاهد سبب نزول آية إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ في مقدّمة تفسير الآيات السابقة.
التفسير والبيان:
إنّ البيت الحرام قبلة المسلمين في الصلاة والدعاء: هو أوّل بيت وضع معبدا للناس، بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام للعبادة: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ [البقرة ٢/ ١٢٧]، ثمّ بني المسجد الأقصى بعد ذلك بقرون، بناه سليمان بن داود سنة ١٠٠٥ قبل الميلاد، فكان جعله قبلة أولى، فيكون النّبي صلّى الله عليه وسلّم على ملّة إبراهيم الذي كان يتّجه بعبادته إلى الكعبة المشرّفة.
فالبيت الحرام أول بيت عبادة، وهي أولية زمان، تستتبع أولية الشرف والمكانة، وله مزايا عديدة هي:
١- إنه مبارك كثير الخيرات، فهو بالرغم من كونه في واد غير ذي زرع، بصحراء جرداء، كما قال تعالى: يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ [القصص ٢٨/ ٥٧]، ففيه الخضار والفواكه ومنتجات الدّنيا، وهو أيضا كثير البركة في الثواب والأجر، ففيه تضاعف الحسنات، ويستجاب الدّعاء.
٢- إنه مصدر هداية للناس، يتّجه إليه المصلّون، وتهواه الأفئدة، ويزحف إليه الملايين مشاة وركبانا، يأتون إليه من كلّ فجّ عميق، لأداء مناسك الحجّ والعمرة، ببركة دعوة إبراهيم عليه السّلام: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ، لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم ١٤/ ٣٧]، وقد

صفحة رقم 12

أجاب الله دعاء إبراهيم: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ... الآية [الحجّ ٢٢/ ٢٧- ٢٨].
٣- فيه آيات واضحات، منها مقام إبراهيم (موضع قيامه للصلاة والعبادة) تعرفه العرب بالنقل المتواتر جيلا عن جيل، ويدلّ عليه أثر قدمه الشريف على الحجر.
٤- ومن دخله كان آمنا على نفسه وماله من أي اعتداء وإيذاء، فلا يسفك فيه دم حرام، ولا يقتل الشخص فيه ولو كان مطلوبا للثأر أو القصاص، لقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت ٢٩/ ٦٧]، وقوله: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً [القصص ٢٨/ ٥٧]، وقوله: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً [البقرة ٢/ ١٢٥]، وكما دعا إبراهيم عليه السّلام: رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً [البقرة ٢/ ١٢٦]. وقال عمر بن الخطاب: «لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه».
وقال أبو حنيفة: «من وجب قتله في الحلّ بقصاص أو ردّة أو زنا، فالتجأ إلى الحرم، لم يتعرّض له، إلا أنه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج منه». واتّفقت قبائل العرب على تعظيمه واحترامه، بنسبته إلى الله، حتى إن القاتل اللاجئ إلى الحرم يصير فيه آمنا ما دام فيه.
قال الجصاص الرازي: «هذه الآي متقاربة المعاني في الدلالة على حظر قتل من لجأ إلى الحرم، وإن كان مستحقا للقتل قبل دخوله، ولما عبّر تارة بذكر البيت، وتارة بذكر الحرم، دلّ على أنّ الحرم في حكم البيت في باب الأمن ومنع قتل من لجأ إليه» «١».
وقد أقرّ الإسلام ميزة البيت الحرام. وأما ما كان من فتح مكّة عنوة بالسّيف

(١) أحكام القرآن: ١/ ٢٣

صفحة رقم 13

فكان لضرورة تطهيره من الشّرك، ولأجل أن يعبد الله وحده، واستحلّ ساعة من نهار لم تحلّ لأحد بعد النّبي صلّى الله عليه وسلّم، ثم
أعلن النّبي صلّى الله عليه وسلّم كما جاء في السيرة: «من دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن».
وأما ما حدث أيام الحجاج فهو شذوذ لم يقرّه عليه أحد، ولم يعتقد أحد حل ما فعل بابن الزّبير، وإنما هو ظلم وإلحاد فيه: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [الحج ٢٢/ ٢٥].
وأما بعض حوادث الاعتداء على الأنفس والأموال فهو فعل الفجار الفساق الذين لم يرعوا لله حرمة في كعبة ولا غيرها.
وأما ما أجازه الإمامان مالك والشافعي من الاقتصاص من القاتل عمدا في الحرم كله فهو عقوبة حقّ وعدل أمر بها القرآن الكريم، لا تجاوز فيها على أحد.
واتّفق أهل العلم على أنه إذا قاتل أحد في الحرم قتل، قال الله تعالى:
وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [البقرة ٢/ ١٩١]، ففرّق بين الجاني في الحرم وبين الجاني في غيره إذا لجأ إليه. روي عن ابن عبّاس وبان عمر وغيرهما من الصّحابة والتابعين، فيمن قتل غيره ثم لجأ إلى الحرم: إنه لا يقتل. قال ابن عبّاس: «ولكنه لا يجالس ولا يؤوى ولا يبايع حتى يخرج من الحرم فيقتل، وإن فعل ذلك في الحرم أقيم عليه الحدّ» «١».
٥- ومن مزايا البيت الحرام تجمع الحجيج فيه وجعل الحجّ واجبا على المسلمين، فيجب الحجّ على المستطيع منهم، وهو أحد أركان الإسلام الخمسة، وفي هذا تعظيم للبيت. واستطاعة السبيل إلى الشيء: إمكان الوصول إليه، والسبيل عام يشمل الشيء البدني والمالي، فالحج فريضة على كلّ مسلم ما لم يوجد مانع من

(١) المرجع السابق: ص ٢١

صفحة رقم 14

الوصول إلى الحرم، سواء أكان بدنيا أم ماليا أم بدنيا وماليا، فالبدني: كالمرض والخوف على النفس من العدو ومن السّباع، أي ألا يكون الطريق مأمونا.
والمالي كفقد الزّاد والرّاحلة إذا كان ممن يتعسّر عليه الوصول إلى البيت إلا بزاد وراحلة. والبدني والمالي معا: فقد الزّاد والراحلة والمرض أو عدم أمن الطريق.
وقد اتّفق أكثر العلماء على أنّ الزّاد والرّاحلة شرطان في الاستطاعة، بدليل
ما رواه علي عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال فيما رواه الترمذي من حديث ضعيف: «من ملك زادا وراحلة تبلّغه بيت الله، ولم يحجّ، فلا عليه أن يموت يهوديّا أو نصرانيّا»
، وذلك أن الله تعالى يقول في كتابه: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. وفسّر الصحابة كابن عمر وغيره استطاعة السبيل:
بالزّاد والرّاحلة.
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ أي من جحد كون هذا البيت أول بيت وضع للعبادة، ولم يمتثل أمر الله في الحجّ، فإن الله غير محتاج إليه، إذ هو الغني عن جميع العالمين. والجمهور حملوا ذلك على تارك الحجّ إعراضا عنه مع توافر الاستطاعة، بدليل
قوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه الترمذي وفيه ضعف: «من مات ولم يحجّ، فليمت إن شاء يهوديّا أو نصرانيّا».
وبدليل
ما روي عن الضّحّاك في سبب النزول قال: لما نزلت آية الحج جمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أهل الأديان الستّة: المسلمين واليهود والنصارى والصابئين والمشركين والمجوس وقال فيما رواه أحمد وسلم والنسائي: «إنّ الله كتب عليكم الحج، فحجّوا» فآمن به المسلمون، وكفر به الباقون، وقالوا: لا نؤمن به ولا نصلّي ولا نحجّ، فأنزل الله قوله تعالى: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ.
والغرض من الآية والأخبار التنفير من ترك الحجّ والتغليظ على المستطيعين حتى يؤدّوا الفريضة.

صفحة رقم 15

فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية الأولى إلى أن البيت الحرام أول بيت وضعه الله للعبادة، بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام.
وهو يمتاز بمزايا عديدة هي وجود مقام إبراهيم عليه السّلام، وكونه ذا بركة وخير كثير، ومصدر هداية للناس، وسبب وحدة المسلمين لاتّجاههم إليهم في صلاتهم، وموضع أمن وسلام لمن دخله في الدّنيا: بمنع قتله والاعتداء عليه، وفي الآخرة: يكون آمنا من النّار، لقضاء النّسك معظّما له، عارفا بحقّه، متقرّبا إلى الله تعالى.
وأرشدت الآية الثانية إلى فرضيّة الحجّ على المستطيع الذي لم يجد مانعا من الوصول إلى البيت الحرام، وهو فرض في العمر مرّة، وتكراره كل خمس سنوات سنّة، لحديث في هذا المعنى
أخرجه ابن حبّان في صحيحة والبيهقي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «يقول الله عزّ وجلّ: إن عبدا صححت له جسمه، ووسّعت عليه في المعيشة، تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إليّ المحروم»
أي من الأجر ومطرود من رضوان الله.
ودلّ الكتاب والسّنة على أنّ الحجّ على التّراخي، لا على الفور، وهو مذهب الشافعية ومحمد بن الحسن، قال القرطبي: وهو الصحيح لأن الله تعالى قال:
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا [الحج ٢٢/ ٢٧] وسورة الحج مكيّة، وقال تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران ٣/ ٩٧]، وهذه السورة نزلت عام أحد بالمدينة سنة ثلاث من الهجرة، ولم يحجّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى سنة عشر.
وورد في السّنة ما يدل على فرضية الحج مثل حديث ضمام بن ثعلبة السعدي قدم على النّبي صلّى الله عليه وسلّم، فسأله عن الإسلام، فذكر الشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج.
واختلف في وقت قدومه، فقيل: سنة خمس، وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة تسع.
قال ابن عبد البرّ: ومن الدّليل على أن الحج على التراخي: إجماع العلماء

صفحة رقم 16

على ترك تفسيق القادر على الحج إذا أخّره العام والعامين ونحوهما، وأنه إذا حجّ من بعد أعوام من حين استطاعته، فقد أدّى الحجّ الواجب عليه في وقته، وليس هو عند الجميع كمن فاتته الصلاة حتى خرج وقتها، فقضاها بعد خروج وقتها، ولا كمن فاته صيام رمضان لمرض أو سفر فقضاه، ولا كمن أفسد حجّه فقضاه، فلما أجمعوا على أنه لا يقال لمن حجّ بعد أعوام من وقت استطاعته: أنت قاض لما وجب عليك، علمنا أن وقت الحج موسّع فيه، وأنه على التّراخي، لا على الفور.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف، والمالكية في أرجح القولين، والحنابلة: يجب الحجّ بعد توافر الاستطاعة وبقية شروط الوجوب على الفور في العام الأول، أي في أول أوقات الإمكان، فيفسق وتردّ شهادته بتأخيره سنينا لأنّ تأخيره معصية صغيرة، وبارتكابه مرة لا يفسق إلا بالإصرار، لأنّ الفورية ظنيّة، بسبب كون دليلها ظنيّا، كما ذكر الحنفيّة. واستدلّوا بقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ، وقوله: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة ٢/ ١٩٦]، والأمر على الفور. واستدلّوا أيضا بأحاديث منها:
«حجّوا قبل أن لا تحجّوا» «١»
، ومنها:
«تعجّلوا إلى الحجّ- يعني الفريضة- فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له» «٢»
، ومنها:
«من لم يحبسه مرض أو حاجة ظاهرة أو مشقة ظاهرة أو سلطان جائر، فلم يحجّ، فليمت إن شاء يهوديا، وإن شاء نصرانيا» «٣»
ورواية الترمذي المتقدمة: «من ملك زادا أو راحلة تبلّغه إلى بيت الله، ولم يحجّ، فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا، وذلك لأن الله تعالى قال في كتابه: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران ٣/ ٩٧] » «٤».

(١) حديث صحيح رواه الحاكم والبيهقي عن علي. [.....]
(٢) رواه أحمد والأصبهاني عن ابن عباس، وهو ضعيف.
(٣) رواه سعيد بن منصور وأحمد وأبو يعلى والبيهقي عن أبي أمامة مرفوعا، وهو ضعيف.
(٤) قال الترمذي: غريب، في إسناده مقال، وفيه ضعف.

صفحة رقم 17

هذه الأخبار مع غيرها تدلّ على وجوب الحجّ على الفور فإنه ألحق الوعيد بمن أخّر الحجّ عن أوّل أوقات الإمكان لأنه قال: «من ملك.. فلم يحجّ» والفاء للتعقيب بلا فصل، أي لم يحجّ عقب ملك الزاد والراحلة، بلا فاصل.
وأجمع العلماء على أن الخطاب في قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ عام في جميع الناس، ذكرهم وأنثاهم، ما عدا الصغار فإنهم غير مكلّفين.
وإذا وجدت الاستطاعة فقد يمنع مانع من الحجّ كالغريم يمنعه الدّائن عن الخروج حتى يؤدّي الدّين، أو يكون له عيال يجب عليه نفقتهم، فلا يلزمه الحجّ، حتى يوفّر لهم النّفقة مدّة الغياب، وتقديم العيال أولى،
قال النّبي صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن عمرو: «كفى المرء إثما أن يضيّع من يقوت».
وكذا الأبوان يخاف الضيعة عليهما، ولم يكن له من يتلطف بهما، فلا سبيل له إلى الحجّ، فإن منعاه لأجل الشوق والوحشة، فلا يلتفت إليه. وإذا منع الرجل زوجته من الحجّ، لم تحجّ على الصّحيح.
وإذا لم يتوافر المحرم للمرأة أو الزّوج فلا يجب عليها الحجّ،
لقوله صلّى الله عليه وسلّم في الصحيحين عن ابن عمر: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر فوق ثلاث إلا مع ذي رحم محرم أو زوج»
فليس للمرأة أن تحجّ إلا مع زوج أو ذي محرم.
وهل تكون الاستطاعة للبعيد عن البيت بالمشي؟ قال الشافعية والحنابلة:
لا حجّ على الفقير البعيد عن البيت الذي لا يجد الزّاد والرّاحلة إذا أمكنه المشي، وإن حجّ أجزأه ذلك عن حجّة الإسلام.
وحكي عن مالك: أن عليه الحجّ إذا أمكنه المشي، ووجد الزّاد أو القدرة على الكسب، أو لم يجد الزّاد والرّاحلة أيضا إذا أطاق المشي.
والحجّ لا يجب في العمر إلا مرّة واحدة لأنه ليس في الآية ما يوجب

صفحة رقم 18

التّكرار، وقد روى أحمد والنسائي عن ابن عبّاس أن الأقرع بن حابس سأل النّبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله، الحجّ في كلّ سنة، أو مرّة واحدة؟ فقال: «بل مرّة، فمن زاد فتطوع».
ولم يجز الإمام مالك خلافا للجمهور النّيابة في الحجّ، فلا يجزئ أن يحجّ عن الشّخص غيره لأن حجّ الغير لو أسقط عنه الفرض، لسقط عنه الوعيد المذكور في الآية: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ. أما المريض والمغضوب الذي لا يستطيع الثبات على الراحلة، فيسقط عنه فرض الحج أصلا، في رأي مالك، سواء كان قادرا على من يحجّ عنه بالمال أو بغير المال، واحتجّ بقوله تعالى:
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [النجم ٥٣/ ٣٩]، والمغضوب لا يستطيع السّعي، ولأنه غير مستطيع، والحجّ فرض على المستطيع.
لكن أجاز المالكية الإجارة على الحجّ عن الميت الذي أوصى به، ويجوز أن يكون الأجير على الحجّ عندهم لم يحجّ حجّة الفريضة.
ويجوز في رأي الجمهور النّيابة في الحجّ عن الغير لمن مات ولم يحج، أو كان مريضا عاجزا عن الحجّ لعذر وله مال، لحديث ابن عبّاس وغيره الذي رواه الجماعة: «أن المرأة من خثعم، قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله في الحجّ شيخا كبيرا، لا يستطيع أن يستوي على ظهره؟ قال: فحجّي عنه» وكان ذلك الإذن في حجّة الوداع. وجاء في رواية: «لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره»، فقال النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «فحجّي عنه، أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته؟» قالت: نعم، قال: «فدين الله أحقّ أن يقضى»، فأوجب النّبي صلّى الله عليه وسلّم الحجّ بطاعة ابنتها إياه، وبذلها من نفسها له بأن تحجّ عنه، فيجوز له أن يستأجر عنه شخصا يحجّ عنه إذا كان قادرا على المال.
ولا تتحقق الاستطاعة بالهبة بأن يهب له شخص أجنبي عنه مالا يحجّ به،

صفحة رقم 19

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية