قوله : فيهِ آياتٌ بيِّناتٌ مقامُ إبراهيمَ١ : والآية في ذلك أن قدميه دخلتا في حجر صلد بقدرة الله عز وجل، ليكون ذلك آية ودلالة على توحيد الله وصدق نبوة إبراهيم، ومن الآية فيه إمحاق الأحجار في موضع الرمي٢،
وامتناع الطير من العلو عليه، وإنما يطير حوله لا فوقه، وتعجيل العقوبة لمن انتهك حرمته - وقد كانت العادة جارية بذلك - ومن جملة ذلك : هلاك أصحاب الفيل.
فقال الشافعي : لما ذكر الله تعالى أن فيها آيات بينات جعل من جملتها :" أن من دخله كان آمناً "، وإن كان من الآيات في أن الله تعالى جعل لذلك الموضع هيبة ووقاراً وعظمة في نفوس المفسدين المتمردين، كما قال تعالى : فلْيعْبُدوا رَبَّ هذا البيْت، الذي أطْعَمََهُمْ مِنْ جوعٍ ٣ بأن يجبي إليه ثمرات كل شيء وهو بواد غير ذي زرع، وأمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ . وقال : أوَلَمْ نُمَكِّنْ لهُمْ حَرَماً آمِناً٤ .
فقوله : كانَ آمِناً : مرتباً على ذكر الآيات، ظاهر في كونه خبراً عن شيء كان، وذلك لا يدل على أن من عصى الله تعالى، والتزم حد الله تعظيماً لأمر الله وإجلالاً لدينه، فهرب مما وجب، وصاحب الشرع يحرم عليه الالتجاء إلى الحرم، فإنه أمر تسليم النفس لحق الله تعالى، أنه يكون آمناً. وهذا ليس بتأويل، إنما هو دليل مأخوذ من ظاهر الخبر، وهو قوله " كان " ومن ظاهر السياق في ذكر الآيات وعد كونه آمناً في جملتها.
فإذا قيل : معناه لا تقتلوا أنتم، فليس ينتظم ذلك في سياق الآية، سيما وهو يضطر إلى الخروج بقطع المير عنه، فهو خائف صباحاً ومساء، فكونه آمناً يخالف ذلك.
ويدل على ذلك أن القائل إذا قال : من دخل هذا الموضع كان آمناً، ثم لزمته حدود النفس وعقوبات على الأطراف، فإذا قيل : إنها تستوفى منه، لم يتحقق معنى الأمن مع ذلك، وعد إطلاق لفظ الأمن على كل داخل، مع إيجاب هذه العقوبات عليه مستلزماً.
فإذا تقرر ذلك، فكيف تترك العمومات في القصاص والزواجر لهذا الكلام الوارد في معرض الآيات بلفظ الخبر ؟ وهل جاز الحبس في الحرم الملتجئ إليه في دين عليه إلا لعموم قوله عليه السلام :" لي الواجد يحل عرضه وعقوبته٥ " ؟ وهل وجب القصاص في النفس وغيرها، إلا على وجه واحد بقوله تعالى : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فيها أنَّ النّفْسَ بالنّفْسِ والعَيْنَ بالْعَينِ الآية٦ ؟ أولا يعلمون أنه إذا قطعت أطرافه لم تكن أمنة، ولا الداخل آمناً، فإن قطع الطرف يخشى منه هلاك النفس ؟
قوله تعالى : وللهِ عَلى النّاسِ حجُّ البَيْتِ مَنِ استَطاعَ إليهِ الآية [ ٩٧ ] :
والاستطاعة وردت مطلقة، وفسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالزاد والراحلة، لا على معنى أن الاستطاعة مقصورة عليها، فإن المريض، والخائف، والشيخ الذي لا يثبت على الراحلة، والزمن، وكل من تعذر عليه والوصول، فهو غير مستطيع للسبيل إلى الحج، وإن كان واجداً للزاد والراحلة، فدل أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله :" الاستطاعة الزاد والراحلة "، إبانة أن من أمكنه المشي إلى البيت ولم يجد زاداً أو راحلة، لا يلزمه الحج، فبين النبي صلى الله عليه وسلم، أن لزوم فرض الحج مخصوص بالركوب دون المشي، وأن من لا يمكنه الوصول اليه إلا بالمشي الذي يشق عليه ويعسر، فلا حج عليه، وذلك تنبيه على أن كل من لا يصل إلى البيت إلا بمشقة شديدة، فقد سقط عنه الحج، وقد قال الله تعالى : وَما جَعَلَ عَلَيْكُم في الدِّينِ مِنْ حَرَج١ .
والمرأة لما كانت كلحم على عظم، وكان ما يتوق٢ - من خروجها دون محرم ونسوة ثقات - من الضرر على نفسها، أعظم من ضرر المشي في حق القادر عليه، فعلم بسقوط فرض المشي لما فيه من المشقة، سقوط ما فوقه، وهذا بالغ حداً.
نعم هذا الذي قلناه من المنصوص عليه، ودلالته في سقوط الحج، لضرر يعود إلى من عليه الحج، مع أنه قد ورد في منع وجوب الحج على المرأة٣، وعلى الزمن الذي لا يستطيع ركوب الراحلة إلا بمشقة شديدة أخبار خاصة٤.
وقد يمتنع وجوب الحج لضرر يرجع إلى الغير، إلى الحاج، كأن يكون عليه دين، أو يكون٥ أجيراً، والمرأة إذا أرادت حجة الإسلام وهي منكوحة.
والاستطاعة تنعدم بهذه الجهات والأسباب، إذا امتنعت الاستطاعة، لضرر يرجع إلى الماشي، فلأن تمتنع بحق الغير أولى، فإن الماشي إن تكلف المشقة ربح الثواب، وأما من له الحق فإنه يتضرر من غير نفع يحصل له في مقابلته، وذلك يدل على أن الأمر فيه أعظم.
مع أنه يمكن أن يذكر فيه معنى آخر، وهو أن الحج قد ثبت بالدليل أنه على التراخي، وهذه الحقوق على الفور، والحج لا يفوت، وهذه الحقوق تفوت، والحج حق الله، وهذه الحقوق للآدمي، فربما يجري فيها زيادة مضايقة لحاجة الآدمي، وليس الشروع في هذه المعاني من مقصودنا إنما مقصودنا : اقتباس هذه الأحكام من هذه الآية الواردة في معنى الاستطاعة.
وهاهنا نوع آخر من الكلام، وهو أن الذين لا استطاعة لهم من المكلفين قسمان : أحدهما : إذا تكلف المشقة وحج وقع عن فرض حجة الإسلام،
والآخر : إذا حج لم تقع عن حجة الإسلام : فالقسم الأول كالمرأة إذا سافرت دون محرم أو نسوة ثقات، أو تكلف الماشي المشي، أو المريض تكلف المشقة، والقسم الآخر كالعبد يحج دون إذن مولاه، فإنه لا يقع عن حجة الإسلام، حتى إذا عتق وجبت حجة الإسلام، مع أن القسمين على سواء في سقوط خطاب الأداء فيهما٦.
وقد خالف في العبد قوم من السلف، وحكى الرازي هذا المذهب عن الشافعي، وهو منه غلط، ولم يختلف قول الشافعي في هذا المعنى، ولا عن أصحابه وجه على ما رواه عنه الرازي.
والفارق بين القسمين : إن كان من وصل إلى البيت ولزمه الحج، كالفقير والمريض الذي سهل عليه ذلك العذر من العمل، أو بسقط صاحب٧ الحق، مثل المديون والأجير والزوج، أو لصاحبه المحرم مثل المرأة، فيلزمهم الحج، فإذا حجوا بأنفسهم وقع الموقع، فإنه يعلم بوجوب الحج عليهم عند حضور البيت، أو رصا من له الحق أن امتناع الأداء عارض، وأن الوجوب لولا العارض ثابت، وإذا أدى٨ الحج، فليس في منع الاعتداد به عن حجة الإسلام إضرار بالغريم، فلا حج عليه، فدل أن المانع في الخطاب، وأن الخطاب قاصر عنه لنقص فيه، بالإضافة إلى الحج، فلا جرم لا يقع عن حجة الإسلام بحال.
فإن قال قائل : ولو وقع السؤال عن هذا وقيل : العبد إذا كان حاضراً في المسجد الحرام وأذن له السيد، فلم لا يلزمه الحج ؟ قلنا هذا سؤال على الإجماع، وربما لا يعلل ذلك، ولكن إذا ثبت هذا الحكم بالإجماع، استدللنا به على أنه لا يعتد بحجة في حال الرق على حجة الإسلام، ولعل المعنى فيه : أن الرق ضرب على الكافر في الأصل، ولم يكن حج الكافر معتداً به، ولما ضرب عليه الرق، ضرب عليه ضرباً مؤبداً، فلم يكن في حالة الكفر أهلاً لأداء عبادة الحج، ولما ضرب الرق المؤبد عليه، تقاصر عنه الخطاب أبداً، فلم يدخل تحت خطاب الحج بوجه.
وأما الفقر فعارض لا يدوم، والمرض كمثل، وقد سبق الخطاب، وكذا المنكوحة، فهذا هو السبب فيه.
نعم العبد لا جمعة عليه، وإذا أداها سقط الفرض، لأن عليه الظهر، والجمعة قائمة مقامه، وليس عليه شيء يقوم الحج مقامه، وقد روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" أيما صبي حج ثم أدرك، فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما أعرابي حج ثم هاجر، فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق، فعليه أن يحج حجة أخرى٩ ".
وهذا إذا صح أغنى عن تكلف كل معنى.
وظاهر قوله : وللهِ عَلى النّاسِ حجُّ البَيْتِ : الاكتفاء بحجة واحدة١٠.
٢ - أي يظهر..
٣ - إذ يمنعها زوجها، يقول القرطبي:
"والمرأة يمنعها زوجها، وقيل: لا يمنعها، والصحيح المنع، لاسيما إذا قلنا: إن الحج لا يلزم عل الفور" أهـ..
٤ - ويفصل القرطبي القول فيقول:
"المريض والعضوب ـ والعضب القطع، ومنه سمى السيف عضبا ـ وكان من انتهى إلا بقدر أن يستمسك على الراحلة ولا يثبت عليها بمنزلة من قطعت أعضاؤه، إذ لا يقدر على شيء. انظر القرطبي ج٤ ص١٥١ – ١٥٢..
٥ - انظر القرطبي ج٤ ص١٤٩..
٦ - يقول القرطبي: أجمع العلماء على أن الخطاب بقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت) عام في جمعهم مسترسل على جملتهم..
٧ - أي سقوط..
٨ - أي العبد..
٩ - أخرجه الخطيب في التاريخ وقال غريب، والضياء في المختارة، ورواه الطبراني في الأوسط، قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (فيض القدير)..
١٠ - يقول الصابوني: ظاهر الآية الكريمة وهي قوله تعالى ـ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا" ـ أن الحج لا يجب إلا مرة واحدة في العمر، وهو رأي الجمهور، إذ ليس في الآية ما يوجب التكرار..
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي