ﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞ

٩٩- قال الشافعي : والآية التي فيها بيان فرض الحج على من فرض عليه : قال الله جل ذكره : وَلِلهِ عَلَى اَلنَّاسِ حَجُّ اَلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اَللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ اِلْعَالَمِينَ وقال : وَأَتِمُّوا اَلْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلهِ ١ وهذه الآية موضوعة بتفسيرها في العمرة.
قال الشافعي : أخبرنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن عكرمة قال : لما نزلت : وَمَنْ يَّبْتَغِ غَيْرَ اَلاِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُّقْبَلَ مِنْهُ ٢ الآية، قالت اليهود : فنحن مسلمون ؛ فقال الله تعالى لنبيه فحُجَّهُم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم :« حُجُّوا » فقالوا : لم يكتب علينا، وأبوا أن يحجوا قال الله جل ثناؤه : وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اَللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ اِلْعَالَمِينَ قال عكرمة : من كفر من أهل الملل فإن الله غني عن العالمين٣. وما أشبه ما قال عكرمة بما قال، والله أعلم. لأن هذا كفر بفرض الحج، وقد أنزله الله. والكفر بآية من كتاب الله كفر.
أخبرنا مسلم بن خالد وسعيد بن سالم، عن ابن جريج قال : قال مجاهد في قول الله عز وجل : وَمَن كَفَرَ قال : هو ما إن حج لم يره برًّا، وإن جلس لم يره إثما٤. كان سعيد ابن سالم يذهب إلى أنه كفر بفرض الحج.
قال الشافعي : ومن كفر بآية من كتاب الله كان كافرا، وهذا إن شاء الله كما قال مجاهد، وما قال عكرمة فيه أوضح، وإن كان هذا واضحا.
قال الشافعي : فعم فرض الحج كل بالغ مستطيع إليه سبيلا. ( الأم : ٢/١٠٩. ون أحكام الشافعي : ١/١١١-١١٢. ومعرفة السنن والآثار : ٣/٣٦٨-٣٧٠. )
ــــــــــــ
١٠٠- قال الشافعي رحمه الله تعالى : ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخثعمية٥ بالحج عن أبيها٦، دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قول الله : مَنِ اِسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ٧ على معنيين : أحدهما : أن يستطيعه بنفسه وماله. والآخر : أن يعجز عنه بنفسه بعارض كبرٍ، أو سقمٍ، أو فِطْرَة خِلقةٍ، لا يقدر معها على الثبوت على المركب، ويكون من يطيعه إذا أمره بالحج عنه إما بشيء يعطيه إياه وهو واجد له. وإما بغير شيء، فيجب عليه أن يعطي إذا وجد، أو يأمر إن أطيع، وهذه إحدى الإستطاعتين.
وسواء في هذا الرجل يسلم ولا يقدر على الثبوت على المركب، أو الصبي يبلغ كذلك، أو العبد يعتق كذلك، ويجب عليه إن قدر على الثبوت على المحمل بلا ضرر وكان واجدا له أو لمركب غيره وإن لم يثبت على غيره، أن يركب المحمل أو ما أمكنه الثبوت عليه من المركب. وإن كان واحدا من هؤلاء لا يجد مطيعا ولا مالا، فهو ممن لا يستطيع بالبدن ولا بالطاعة فلا حج عليه. وجماع الطاعة التي توجب الحج وتفريعها اثنان، أحدهما : أن يأمر فيطاع بلا مال، والآخر : أن يجد مالا يستأجر به من يطيعه، فتكون إحدى الطاعتين. ولو تحامل فحج أجزأت عنه ورجوتُ أن يكون أعظم أجرا ممن يخف ذلك عليه. ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة أن تحج عن أبيها إذ أسلم وهو لا يستمسك على الراحلة فدل ذلك على أن عليه الفرض إذا كان مستطيعا بغيره، إذا كان في هذه الحال. والميت أولى أن يجوز الحج عنه. لأنه في أكثر من معنى هذا الذي لو تكلف الحج بحال أجزأه، والميت لا يكون فيه تكلف أبدا. ( الأم : ٢/١٢١. ون أحكام الشافعي : ١/١١٢-١١٣. ومعرفة السنن والآثار : ٣/٣٧١-٣٧٢. )
ـــــــــــــــــــــــــ
١٠١- قال الشافعي : وقال الله عز وجل : وَلِلهِ عَلَى اَلنَّاسِ حَجُّ اَلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ٨ الآية، فكان ذلك دلالة كتاب الله عز وجل فينا وفي الأمم، على أن الناس مندوبون إلى إتيان البيت بإحرام، وقال الله عز وجل : وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ اِلسُّجُودِ ٩ وقال : فَاجْعَلَ اَفْئِدَةً مِّنَ اَلنَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ ١٠. قال الشافعي : فكان مما ندبوا به إليه إتيان الحرم بالإحرام. قال : وروي عن ابن أبي لبيد١١، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان أنه قال : لما أهبط الله تعالى آدم من الجنة طأطأه فشكا الوحشة إلى أصوات الملائكة، فقال : يا رب مالي لا أسمع حس الملائكة ؟ فقال : خطيئتك يا آدم، ولكن اذهب فإن لي بيتا بمكة فائته فافعل نحوه نحو ما رأيت الملائكة يفعلون حول عرشي. فأقبل يتخطى موضع كل قدم قرية وما بينهما مفازة فلقيته الملائكة بالردم١٢ فقالوا : برَّ حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام١٣.
أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي لبيد، عن محمد بن كعب القُرَضِي١٤ أو غيره قال : حج آدم ولقيته الملائكة فقالت : بر نسكك يا آدم، لقد حججنا قبلك بألفي عام١٥.
قال الشافعي : وهو إن شاء الله تعالى كما قال. وروي عن أبي سلمة وسفيان بن عيينة كان يشك في إسناده.
قال الشافعي : ويحكى أن النبيين كانوا يحجون فإذا أتوا الحرم مشوا إعظاما له، ومشوا حفاة. ولم يحك لنا عن أحد من النبيين ولا الأمم الخالية أنه جاء أحد البيت قط إلا حرما، ولم يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة علمناه إلا حرما إلا في حرب الفتح١٦. فبهذا قلنا إن سنة الله تعالى في عباده أن لا يدخل الحرم إلا حراما. وبأن من سمعناه من علمائنا قالوا : فمن نذر أن يأتي البيت يأتيه محرما بحج أو عمرة. قال : ولا أحسبهم قالوا إلا بما وصفت وأن الله تعالى ذكر وجه دخول الحرم فقال : لَّقَدْ صَدَقَ اَللَّهُ رَسُولَهُ اَلرُّءْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرَامَ إِن شَاء اَللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ١٧ قال : فدل على وجه دخوله للنسك، وفي الأمن، وعلى رخصة الله في الحرب وعفوه فيه عن النسك، وأن فيه دلالة على الفرق بين من يدخل مكة وغيرها من البلدان، وذلك أن جميع البلدان تستوي لأنها لا تدخل بإحرام، وأن مكة تنفرد بأن من دخلها منتابا لها لم يدخلها إلا بإحرام. ( الأم : ٢/١٤١. )

١ - البقرة: ١٩٦. وقد تفسيرها..
٢ - آل عمران: ٨٥. وتمامها: وَهُوَ فِى اِلاَخِرَةِ مِنَ اَلْخَاسِرِينَ ..
٣ - رواه ابن جرير في التفسير ٣/٣٦٩..
٤ - نفس المصدر السابق ٣/٣٦٨..
٥ - أسماء بنت عُميس الخثعمية، من المهاجرات الأول. عنها: ابنها عبد الله، وعون ابنا جعفر، وحفيدها القاسم بن محمد. تزوجها علي بعد أبي بكر. الكاشف: ٣/٤٠٦. ون الإصابة: ٧/٤٨٩. والتهذيب: ١٠/٤٥٢. وقال في التقريب: صحابية..
٦ - أخرج البخاري في أول الحج (٣٢) (ر١٤٤٢) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كان الفضل رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا، لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم» وذلك في حجة الوداع. وأخرجه في الإحصار وجزاء الصيد، وفي المغازي، وفي الاستئذان. وأخرجه مسلم في الحج (١٥) باب: الحج عن العاجز (٧١) (ر١٣٣٤-١٣٣٥). ورواه أصحاب السنن..
٧ - آل عمران: ٩٧..
٨ - آل عمران: ٩٧. وتمامها: وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اَللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ اِلْعَالَمِينَ..
٩ - البقرة: ١٢٥..
١٠ - إبراهيم: ٣٧..
١١ - عبد الله بن أبي لبيد، أبو المغيرة المدني. عن: أبي سلمة، والمطلب بن عبد الله. وعنه: السفيانان. ثقة. الكاشف: ٢/١١٨. ون التهذيب: ٤/٤٤٨. وقال في التقريب: ثقة رمي بالقدر..
١٢ - الردم: بالفتح سد ينسب إلى بني جمح بمكة. معجم البلدان..
١٣ - رواه عبد الرزاق عن عطاء وقتادة بلفظ مغاير في كتاب الحج باب: بنيان الكعبة (ر٩٠٩٢-٩٠٩٦)..
١٤ - محمد بن كعب القرضي. أرسل عن: أبي ذر، وغيره، وعائشة، وأبي هريرة، وزيد بن أرقم. وعنه: يزيد بن الهاد، وأبو معشر نجيح، وعبد الرحمن بن أبي الموالي. ثقة حجة. قال أبو داود: سمع من علي وابن مسعود. ت سنة: ١٠٨هـ. وقيل: ١١٦. الكاشف: ٣/٧٤. ون التهذيب: ٧/٣٩٧. وقال في التقريب: ثقة عالم..
١٥ - رواه الشافعي في المسند (ر٧٣٦)..
١٦ - روى البخاري في المغازي (٦٧) باب: أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح (٤٦) (ر٤٠٣٥) عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: ابن خَطَلٍ متعلق بأستار الكعبة. فقال: «اقتله» قال مالك: ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فيما نرى ـ والله أعلم ـ يومئذ محرما. ورواه في الإحصار وجزاء الصيد، وفي الجهاد، وفي اللباس.
ورواه مسلم في الحج (١٥) باب: جواز دخول مكة بغير إحرام (٨٤)(ر١٣٥٧) وروى عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة (أو قال قتيبة: دخل يوم فتح مكة) وعليه عمامة سوداء بغير إحرام (ر١٣٥٨).
ورواه أصحاب السنن..

١٧ - الفتح: ٢٧..

تفسير الشافعي

عرض الكتاب
المؤلف

الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير