قوله :( فيه آيات بينات مقام إبراهيم ) أي فيه علامات ظاهرات من قدرة الله وآثار خليله إبراهيم في الحجر الذي قام عليه فكان لقدميه فيه أثر. وقوله :( مقام ) مبتدأ مرفوع وخبره محذوف تقديره منهن. أي في آيات بينات منهن مقام إبراهيم.
وقيل : مقام عطف بيان لقوله : آيات بينات. فإن قيل : كيف صح بيان الجماعة ( آيات ) بالواحد ( مقام )، قيل : اشتمال المقام على الآيات ؛ لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام آية لإبراهيم خاصة، وحفظه مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة آلاف السنين آية. وقيل غير ذلك١.
قوله :( ومن دخله كان آمنا ) الضمير في قوله :( دخله ) يراد حرم مكة : فإذا دخله الخائف فإنه يأمن من كل سوء، كذلك كان الأمر في الجاهلية، كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة ويدخل الحرم فيلقاه ابن المقتول فلا يهيجه أو يزعجه حتى يخرج. قال ابن عباس في تأويل هذه الآية : من عاذ بالبيت، أعاذه البيت ولكن لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى فإذا خرج أخذ بذنبه، وهو مذهب الحنفية إذ قالوا : من لزمه القتل في الحل بقصاص أوردة أو زنا فالتجأ إلى الحرم لم يُتعرض له إلا أنه لا يُؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج٢.
ومثل ذلك قوله تعالى :( أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ).
وفي تحريم مكة من حيث حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره، وحرمة قطع شجرها وقلع حشيشها ونحو ذلك من وجوه التحريم ؛ فقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم فتح مكة : " لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا " وقال يوم فتح مكة : " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار. فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرّفها ولا يختلى٣ خلاها " وكذلك أخرج مسلم عن أبي شريح العدوي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال يوم فتح مكة : " إن مكة حرمها الله ولمي حرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه و سلم فيها فقولوا له : إن الله أذن لنبيه ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب ".
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عدي الزهري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو واقف بالحرورة بسوق مكة يقول : " والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت " ٤.
على أن العلماء اختلفوا في تأويل قوله تعالى :( ومن دخله كان آمنا ) وثم قولان رئيسان في ذلك :
القول الأول : تأويله أن كل من جر في الجاهلية جريرة ثم عاذ بالبيت لم يكن بها مأخوذا، أي لم يؤخذ بجريرته مادام عائذا بالبيت، أما في الإسلام فإنه لا يمنع من حدود الله، فمن سرق فيه قطع، ومن زنا فيه أقيم عليه الحد، ومن قتل فيه قتل، وبذلك يكون تأويل الآية أن من يدخله من الناس كان آمنا به في الجاهلية دون الإسلام.
القول الثاني : معنى ذلك أن من يدخله يكن آمنا بمعنى الجزاء. كقوله القائل : من قام لي أكرمته. وقد كان ذلك في الجاهلية لما كان الحرم مفزع كل خائف وملجأ كل جانٍ ؛ لأنه لم يكن يهاج به ذو جريرة ولا يعرض فيه الرجل لقاتل أبيه وابنه بسوء، وكذلك هو في الإسلام ؛ لأن الإسلام زاد البيت تعظيما وتكريما. قال ابن عباس في ذلك : إذا أصاب الرجل الحد : قتل أو سرق فدخل الحرم، لم يبايع ولم يؤو حتى يتبرم فيخرج من الحرم فيقام عليه الحد. وذكر عنه قوله أيضا : إذا أحدث الرجل حدثا في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم لم يعرض له ولم يؤو ولم يبايع ولم يجالس ولم يكلم ولم يطعم ولم يسق حتى يخرج من الحرم، فإذا خرج منه أخذ فأقيم عليه الحد.
وعن عطاء بن أبي رباح، في الرجل يقتل ثم يدخل الحرم قال : لا يبيعه أهل مكة ولا يشترون منه ولا يسقونه ولا يطعمونه ولا يؤونه، عدّ أشياء كثيرة- حتى يخرج من الحرم فيؤخذ بذنبه.
وذهب آخرون إلى أنه يٌخرج من الحرام قسرا ليلقى جزاءه خارجه، وهو قول ابن الزبير ومجاهد والحسن. فقد قالوا : معنى ذلك أن من دخله من غيره ممن لجأ إليه عائذا به كان آمنا ما كان فيه، ولكنه يخرج منه فيقام عليه الحد إن كان أصاب ما يستوجبه في غيره ثم لجأ إليه، وإن كان أصابه فيه أقيم عليه فيه. فتأويل الآية بذلك : فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن يدخله من الناس مستجيرا به يكن آمنا مما استجار منه ما كان فيه حتى يخرج منه.
واختلفوا في صفة إخراجه من البيت فقال بعضهم : صفة ذلك معنى المعاني التي يضطر مع منعه منها إلى الخروج من الحرم. وقيل غير ذلك.
وثمة قول ثالث في تأويل الآية، وهو أن من دخله يكن آمنا من النار٥.
قوله :( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) اللام في قوله :( ولله ) لا الإيجاب والإلزام. ثم أكد ذلك بقوله تعالى :( على ) وهي من أوكد ألفاظ الوجوب عند العرب. وبذلك ذكر الله تعالى الحج بأبلغ ألفاظ الوجوب تأكيدا لحقه وتعظيما لحرمته٦.
والحج في اللغة بمعنى القصد، والحج بالكسر الاسم، والحجة بالكسر أيضا المرة الواحدة، والحجة بالكسر أيضا تعني السنة، والجمع الحجج.
أما معناه في الاصطلاح الشرعي فهو : قصد مكة من أجل النسك في وقت معلوم٧.
إذا تبين ذلك نقول : يجب الحج على كل مسلم مكلف ذكرا أو أنثى مرة واحدة في العمر، وذلك بالنص والإجماع. فقد روي الإمام أحمد رحمه الله عن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : " أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا " فقال رجل : أكلّ عام يا رسول ؟ فسكت حتى قالها ثلاثا. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم " ثم قال : " ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه " ٨.
أما تفصيل القول في المناسك من بيان لأحكام الحج والعمرة فقد تعرضنا لكثير من ذلك في سورة البقرة. ومع ذلك نقتضب بعضا من الأحكام عن مناسك الحج فنقول : إن فريضة الحج ثابتة في الكتاب والسنة بما يدل على التراخي وليس على الفور، وهو قول كثير من أهل العلم، منهم الإمام مالك وكذا الشافعي. وقال به بعض الحنفية، ودليلهم في ذلك أن الله تعالى قال في سورة الحج :( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا ) وسورة الحج مكية. وقال تعالى :( ولله على الناس حج البيت ) وهذه السورة مدنية نزلت عام أحد بالمدينة سنة ثلاث من الهجرة ولم يحج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى سنة عشر.
ويدل على كونه على التراخي إجماع العلماء على عدم تفسيق القادر على الحج إذا أخره العام والعامين أو نحو ذلك. وهو عند جميع العلماء ليس كمن فاتته الصلاة حتى خرج وقتها فقضاها بعد خروجها وقتها، ولا كمن فاته صيام رمضان لمرض أو سفر فقضاه، ولا كمن أفسد حجه فقضاه، ولكنه إذا أدى فريضة الحج خلال عمره يكون مؤديا للفريضة وكفى، وليس عليه بعد بأس أو تقصير. وقد أجمعوا على أنه لا يقال لمن حج بعد أعوام من وقت استطاعته : أنت قاض لما وجب عليك. فيفهم من ذلك أن وقت الحج موسع فيه وأنه على التراخي لا على الفور. وقد خالف في ذلك فريق من العلماء فيهم أهل الظاهر وبعض المالكية، إذ قالوا بوجوب الحج على الفور لا على التراخي، وبذلك من قدر على الحج فأخره عاما أو أكثر فقد احتمل إثما للتأخير. ولا نجد لهم في هذا القول من احتجاج غير الاعتماد على ظاهر الآية وهو ما ليس فيه استدلال مستبين على الفورية٩ وعلى هذا فالقول الأول هو الصواب والله تعالى أعلم.
وإنما يجب الحج على المكلف، وهو العاقل البالغ الحر المريد، فلا يجب على المجنون ولا الصغير ولا العبد، ولا من كان معدوم الإرادة كما لو كان سجينا أو حبيسا أو مقيدا في الأغلال، فأولئك غير مطالبين بفريضة الحج حتى تزول عنهم موانع الوجوب، وعلى هذا اتفقوا على حمل هذه الآية على جميع الناس ذكورا وإناثا ما عدا الصغير، فإنه خارج عن دائرة الوجوب بالإجماع ؛ لكونه غير مكلف، وكذلك العبد غير داخل في أصول التكليف ؛ لعدم استطاعته، وكذا الأمة لا تكلف بالحج.
قال ابن المنذر في هذا الصدد : أجمع عامة أهل العلم إلا من شذ منهم ممن لا يعد خلافا على أن الصبي إذا حج في حال صغره، والعبد إذا حج في حال رقه ثم بلغ الصبي وعتق العبد إن عليهما حجة الإسلام إذا وجدا إليها سبيلا١٠.
قوله :( من استطاع إليه سبيلا ) ( من ) بدل بعض من الكل وهو الناس. وقيل :( مَنِ ) أداة شرط. والأول أظهر.
أما السبيل ففي تأويله تفصيل. على أن جملة القول في ذلك أن استطاعة السبيل إلى الشيء عبارة عن إمكان الوصول. ويعتبر في حصول هذا الإمكان صحة البدن وزوال خوف التلف مما يخشى منه على النفس كسبع أو عدو أو فقدان الطعام والشراب، وكذلك القدرة على المال الذي يشتري به الزاد والراحلة وأن يقضي جميع ما عليه من الدين وأني راد ما لديه من الودائع. وإن وجب عليه الإنفاق على أحد لم يجب عليه الحج إلا إذا ترك من المال ما يكفيهم في الذهاب وفي المجيء١١.
والمراد بالسبيل التي يجب مع استطاعتها فرض الحج هو الزاد والراحلة، وقد ذهب إلى ذلك أكثر العلماء، ويحتج لذلك من الخبر بما رواه الحاكم من حديث قتادة بإسناد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سئل عن قول الله عز وجل :( من استطاع إليه سبيلا ) فقيل : ما السبيل ؟ قال " الزاد والراحلة " ١٢ قال ابن عباس في تأويل قوله :( من استطاع إليه سبيلا ) : السبيل أن يصح بدن العبد ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير أن يجحف به.
المراد بالزاد مؤونة السفر مما يحتاج إليه الحاج في سفره كالطعام والكساء ونحوهما، يضاف إلى ذلك ما يلزمه في هذا العصر من رسوم مالية يؤديها ضريبة للمرور، أو غير ذلك من وجوه المغارم المنكودة مما يعاني منه المسلمون، وخاصة في زماننا هذا، وذلك كلما جاوز بلده إلى غيره من بلدان المسلمين كالحجاز.
أما الراحلة فهي في اللغة الناقة التي تصلح ؛ لأن ترحل١٣وهي أحد الشرطين لتحصيل السبيل من أجل وجوب الحج. وعلى هذا إذا ملك الزاد والراحلة لزمه فرض الحج بنفسه، وإن عدم الزاد والراحلة أو أحدهم سقط عنه فرض الحج، وهو قول كثر العلماء، ويؤيد ذلك من الدليل جواب الرسول صلى الله عليه و سلم لما سئل عن السبيل فقال : " الزاد والراحلة " ١٤.
أما إن كان قادرا على المشي مطيقا له ووجد الزاد أو قدر على كسب الزاد في الطريق فلا يلزمه الحج وجوبا، بل يستحب في حقه استحبابا. وإن قدر على تحصيل الزاد بمسألة الناس يتكففهم في الطريق كره له الحج ؛ لأنه يصير بذلك كلا على الناس وهو ما لا يليق بكرامة المسلم وشهامته. وقيل : إذا قدر على المشيء ووجد الزاد فعليه فرض الحج وإن لم يجد الراحلة. وأجد أن في مثل هذا القول حرجا بالغا يصيب المسلم ويكلفه من الت
٢ - تفسير القرطبي جـ ٤ ص ١٤٠ والكشاف جـ ١ ص ٤٤٨..
٣ - يختلى خلاها: يختلى أي يقطع. خليت الخلى قطعته، والخلى: الرطب من الحشيش. انظر مختار الصحاح ض ١٨٩..
٤ تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٨٤.
٥ - تفسير الطبري جـ ٤ ص ١٠ وتفسير القرطبي جـ ٤ ص ١٤٠ والكشاف جـ ١ ص ٤٤٨..
٦ - تفسير القرطبي جـ ٤ ص ١٤٢ وفتح القدير جـ ١ ص ٣٦٣..
٧ - مختار الصحاح ص ١٢٢ والقاموس المحيط جـ ١ ص ١٨٨ وتفسير البيضاوي ص ٨٢..
٨ - تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٨٥..
٩ - تفسير القرطبي جـ ٤ ص ١٤٤..
١٠ - تفسير القرطبي جـ ٤ ص ١٤٥..
١١ - تفسير الرازي جـ ٨ ص ١٦٨...
١٢ - تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣٨٦..
١٣ - مختار الصحاح ص ٢٣٨..
١٤ - تفسير الطبري جـ ٤ ص ١٢..
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز