موصى به
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
- 1376
موصى به
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
- 310
موصى به
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
- 774
موصى به
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
- 1439
موصى به
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
موصى به
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
- 774
موصى به
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
موصى به
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
موصى به
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
- 1393
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
- 1404
معالم التنزيل
البغوي
- 516
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير الشعراوي
الشعراوي
- 1418
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
- 710
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
- 982
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
- 1403
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
- 1436
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
- 468
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
- 660
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
- 489
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
- 327
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
- 756
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
- 885
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
- 775
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
- 1393
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
- 1354
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
- 104
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
- 864
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
- 911
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
- 1225
تفسير ابن المنذر
ابن المنذر
- 319
روح المعاني
الألوسي
- 1342
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
- 1436
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
- 1393
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
- 427
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
- 685
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
- 1431
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
- 745
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
- 553
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
- 373
بيان المعاني
ملا حويش
- 1398
تفسير التستري
سهل التستري
- 283
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
- 1404
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
- 1390
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
- 1371
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
- 1414
روح البيان
إسماعيل حقي
- 1127
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
- 850
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
- 875
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
- 597
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
- 276
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
- 1250
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
- 741
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
- 538
تفسير القشيري
القشيري
- 465
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
- 1332
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
- 542
معاني القرآن للفراء
الفراء
- 207
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
- 606
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
- 817
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
- 437
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
- 1402
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
- 1394
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
- 1307
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
- 333
التفسير البسيط
الواحدي
- 468
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
- 1441
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
- 741
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
- 399
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
- 450
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
- 311
تفسير الراغب الأصفهاني
الراغب الأصفهاني
- 502
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
- 928
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
- 800
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
النكت والعيون
الماوردي
- 450
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
- 911
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
- 150
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
- 800
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
- 1241
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
- 745
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
- 923
غريب القرآن
زيد بن علي
- 120
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
- 179
تفسير الشافعي
الشافعي
- 204
معاني القرآن
الفراء
- 207
تفسير القرآن
الصنعاني
- 211
معاني القرآن
الأخفش
- 215
تفسير ابن المنذر
ابن المنذر
- 318
أحكام القرآن
الجصاص
- 370
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
- 463
لطائف الإشارات
القشيري
- 465
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
- 504
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
- 505
أحكام القرآن
ابن العربي
- 543
أحكام القرآن
ابن الفرس
- 595
جهود القرافي في التفسير
القرافي
- 684
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
- 905
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
- 977
التفسير المظهري
المظهري
- 1216
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
- 1224
تفسير المنار
رشيد رضا
- 1354
تفسير المراغي
المراغي
- 1371
المصحف المفسّر
فريد وجدي
- 1373
زهرة التفاسير
أبو زهرة
- 1394
التفسير الحديث
دروزة
- 1404
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
- 1404
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
- 1410
تفسير الشعراوي
الشعراوي
- 1419
تفسير القرآن الكريم
شحاته
- 1423
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
- 2004
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
- 2005
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
- 2006
التفسير الميسر
التفسير الميسر
- 2007
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
- 2008
ﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞ
ﱠ
بسم الله الرحمن الرحيم
( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه، من قبل أن تنزل التوراة قل فآتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ٩٣ فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون ٩٤ قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ٩٥ إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين ٩٦ فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ٩٧ ).كان الكلام من أول السورة إلى هنا في إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، مع إثبات التوحيد، واستتبع ذلك محاجة أهل الكتاب في ذلك، وفي بعض بدعهم وما استحدثوا في دينهم. أما هذه الآيات ففي دفع شبهتين عظيمتين من شبهات اليهود على الإسلام، قررهما الأستاذ الإمام هكذا :
قالوا : إذا كنت يا محمد على ملة إبراهيم والنبيين من بعده – كما تدعي- فكيف تستحل ما كان محرما عليه وعليهم كلحم الإبل ؟ أما وقد استبحت ما كان محرما عليهم فلا ينبغي لك أن تدعي أنك مصدق لهم وموافق في الدين، ولا أن تخص إبراهيم بالذكر وتقول : إنك أولى الناس به. هذه هي الشبهة الأولى. وأما الثانية فهي أنهم قالوا : إن الله وعد إبراهيم بأن تكون البركة في نسل ولده إسحاق، وجميع الأنبياء من ذرية إسحاق كانوا يعظمون بيت المقدس ويصلون إليه ؛ فلو كنت على ما كانوا عليه لعظمت ما عظموا، ولما تحولت عن بيت المقدس وعظمت مكانا آخر اتخذته مصلى وقبلة، وهو الكعبة، فخالفت الجميع.
( فيه آيات بينات مقام إبراهيم ) أي فيه دلائل أو علامات ظاهرة لا تخفى على أحد. أحدها، أو منها : مقام إبراهيم، أي موضع قيامه فيه للصلاة والعبادة تعرف ذلك العرب بالنقل المتواتر. فأي دليل أبين من هذا على كون هذا البيت أو بيت من بيوت العبادة الصحيحة المعروفة في ذلك العهد وضع ليعبد الناس فيه ربهم- وإبراهيم أبو الأنبياء الذين بقي في الأرض أثرهم بجعل النبوة والملك فيهم لا يعرف لنبي قبله أثر ولا يحفظ له نسب.
وقوله :( ومن دخله كان آمنا ) آية ثانية بينة لا يمتري فيها أحد، وهي اتفاق قبائل العرب كلها على احترام هذا البيت وتعظيمه لنسبته إلى الله، حتى أن من دخله يأمن على نفسه لا من الاعتداء عليه وإيذائه فقط بل يأمن أن يثأر منه من سفك هو دماءهم واستباح حرماتهم مادام فيه. مضى على هذا عمل الجاهلية على اختلافها في المنازع والأهواء والمعبودات وكثرة ما بينها من الأحقاد والأضغان وأقره الإسلام.
ويرد على إقرار الإسلام لحرمة البيت فتح مكة بالسيف، وأجيب عنه : بأنها حلت للنبي صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار لم تحل لأحد قبله ولن تحل لأحد بعده، كما ورد في الحديث. وذلك لضرورة تطهير البيت من الشرك وتخصيصه لما وضع له. وأقول : إن حرمة مكة كلها وما يتبعها من ضواحيها وحلها للنبي صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار أمر زائد على ما نحن فيه، وهو أمن من دخل البيت والنبي لم يستحل البيت ساعة ولا بعض ساعة، وإنما كان مناديه ينادي بأمره :" من دخل داره وأغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن " ١ ولما أخبر أبو سفيان النبي صلى الله عليه وسلم بقول سعد بن عُبادة حامل لواء الأنصار له في الطريق : اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة : قال صلى الله عليه وسلم " كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة " ٢ ( راجع السير ).
وأما فعل الحجاج أخزاه الله فقد قال الأستاذ الإمام : إنه كان من الشذوذ الذي لا ينافي الاتفاق على احترام البيت وتعظيمه، وتأمين من دخله، وهذا الجواب مبني على أن أمن من دخل البيت ليس معناه : أن البشر يعجزون عن الإيقاع به عجزا طبيعيا على سبيل خرق العادة. وإنما معناه : أنه تعالى ألهمهم احترامه لاعتقادهم نسبته إليه عز وجل، وحرم الإلحاد والاعتداء فيه. ولم يكن الحجاج وجنده يعتقدون حل ما فعلوا من رمي الكعبة بالمنجنيق، ولكنها السياسة تحمل صاحبها على مخالفة الاعتقاد، وتوقعه في الظلم والإلحاد، وإن ما يفعل الآن في الحرم من الظلم والإلحاد المستمر لم يسبق له نظير في جاهلية ولا إسلام. ولا ضرورة ملجئة إليه، وإنما هي السياسة السوءى قضت بتنفير الناس من أمراء مكة وشرفائها وإبعاد عقلاء المسلمين عنها حتى لا يكون للمسلمين فيها قوة في الدين ولا في العلم والرأي ! ! وماذا يكون من ضرر هذه القوة ؟ يوسوس لهم شيطان السياسة : أن عمران الحجاز وثقة الناس بأمرائه وشرفائه، وأمن العقلاء والسرورات فيه ربما يكون سببا في إنشاء خلافة عربية فيه.
إن كثيرا من أمراء المسلمين ونابغيهم يعلمون أن دون أدائهم لفريضة الحج عقبات سياسة لا يسهل اقتحامها. وقد جاء في صحف الأخبار أن أمير مصر استأذن السلطان في حج والدته وبعض أمراء أسرته فلم يأذن. وقد كان الأستاذ الإمام يعتقد اعتقادا جازما فيه أنه إذا حج يلقي بيديه إلى التهلكة، وأنه لا أمان له في الحرم الذي كان يرى الجاهلي فيه قاتل أبيه فلا يعرض له بسوء. وإن كاتب هذه السطور يعتقد مثل هذا الاعتقاد٣. فنسأل الله تعالى أن يحقق لنا ثانية مضمون قوله :( ومن دخله كان آمنا ) لنمتثل ما فرضه علينا من حج هذا البيت- كما يأتي في تتمة الآية- فلا نلجأ إلى تأويل الأمان بمثل ما أوله به من قال : إن المراد به الأمن من العذاب يوم القيامة. وقد رد الأستاذ الإمام هذا التأويل، وقال ما معناه : إنه هدم للدين كله. فإن الأمن هناك إنما يكون لأهل التوحيد الخالص والعمل الصالح، الذين أقاموا الدين في الدنيا كما أمر الله تعالى، وما دخول البيت إلا بعض أعمال الإيمان، إذا أخلص صاحبه فيه. أقول : ولا تنسى في هذا المقام مثل قوله تعالى :( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) [ الأنعام : ٨٢ ] وما رووه في ذلك من الآثار لا ينافي المتبادر المختار، وما أظن أن ذلك يصح عن الإمام جعفر الصادق كما قيل.
أما قوله تعالى :( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) فهو بيان آية ثالثة من آيات هذا البيت جاءت بصيغة الإيجاب والفرضية في معرض ذكر مزاياه ودلائل كونه أول بيوت العبادة المعروفة للمعترضين من اليهود على استقباله في الصلاة، فهو يفيد بمقتضى السياق معنى خبريا وبمقتضى الصيغة معنى إنشائيا، وهو وجوب الحج على المستطيع من هذه الأمة. أشار إلى ذلك الأستاذ الإمام بقوله : هذه الجملة – وإن جاءت بصيغة الإيجاب- هي واردة في معرض تعظيم البيت، وأي تعظيم أكبر من افتراض حج الناس إليه ؟ وما زالوا يحجونه من عهد إبراهيم إلى عهد محمد صلى الله عليهما وعلى آلهما وسلم. ولم يمنع العرب عن ذلك شركها، وإنما كانوا يحجون عملا بسنة إبراهيم. يعني أن الحج عام جروا عليه جيلا بعد جيل على أنه من دين إبراهيم، وهذه آية متواترة على نسبة هذا البيت إلى إبرهيم. فهي أصح من نقول المؤرخين التي تحتمل الصدق والكذب. وبهذا وبما سبقه بطل اعتراض أهل الكتاب، وثبت أن النبي على ملة إبراهيم دونهم.
أما الحج فمعناه في أصل اللغة القصد، -وهو بكسر الحاء- وبه قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم، وفتحها، وبه قرأ الباقون، وقيل : الفتح لغة الحجاز، والكسر لغة نجد. وقد تقدم تفصيل أعماله في تفسير آيات سورة البقرة. وأما استطاعة السبيل : فهي عبارة عن القدرة على الوصول إليه. وهي تختلف باختلاف الناس في أنفسهم وفي بعدهم عن البيت وقربهم منه. وكل مكلف أعلم بنفسه – وإن كان عاميا- من غيره وإن كان عالما نحريرا. وما زاد الناس اختلاف العلماء في تفسير الاستطاعة إلا بعدا عن حقيقتها الواضحة من الآية أتم الوضوح إذ قال بعضهم : إن الاستطاعة صحة البدن والقدرة على المشي. وقال بعضهم : إنها القدرة على الزاد والراحلة. واشترطوا فيها : أمن الطريق، ولم يشترطوا الأمن في أرض الحرم، لأنها كانت آمنة قطعا.
وأما في هذا الزمان فما كل أحد يأمن فيها ؛ لا سيما إذا كان متهما بالاشتغال بالسياسة. وكيف ؟ وقد ألقي بعض علمائها في ظلمة السجن مكبلا بالسلاسل والأغلال، ولا ذنب له إلا أنه ألف كتابا أيد فيه التوحيد٤ وبين فساد ما طرأ على الناس من نزغات الوثنية التي يعبرون عنها بالتوسل بالأولياء فيا ليت شعري لو كان مثل الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني الذي كان ينكر كرامات الأولياء حيا أكان يأمن على نفسه إذا أراد الحج، وهو المعدود في عصر العلم من أئمة علماء السنة في أصول الدين ؟ وقل مثل هذا في الإمام أبي بكر الباقلاني، الذي كان يقول في الأرواح بمثل ما يقول جمهور علماء أوربا اليوم من ماديين وغيرهم، دع الفرق التي وُسمت بالابتداع، كالمعتزلة والخوارج والشيعة. ولم يكن أهل السنة يكفرون أحدا منهم ولا يعاقبونه على مخالفة الجمهور في بعض الآراء أيام كان قرب جمهور المسلمين من العلم والدين كبعدهم عنه اليوم.
وقال الأستاذ الإمام في قوله تعالى :" من استطاع إليه سبيلا " أنه بيان لموقع الإيجاب ومحله، وإعلام بأن الفرضية موجه أولا وبالذات إلى هذا العمل، ولكن الله رحم من لا يستطيع إليه سبيلا. والاستطاعة تختلف باختلاف الأشخاص : ولم يزد على ذلك.
وقوله تعالى :( ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) تأكيد لما سبق ووعيد على جحوده، وبيان لتنزيه الله تعالى بإزالة ما عساه يسبق إلى أوهام الضعفاء عند سماع نسبة البيت إلى الله، والعلم بفرضه على الناس أن يحجوه من كونه محتاجا إلى ذلك. فالمراد بالكفر : جحود كون هذا البيت أول بيت وضعه إبراهيم للعبادة الصحيحة، بعد إقامة الحجج على ذلك وعدم الإذعان لما فرض الله من حجه والتوجه إليه بالعبادة. هذا هو المتبادر. وحمله بعضهم على الكفر مطلقا على أنه مستقل لا متمم لما قبله. وهو بعيد جدا، وبعضهم على ترك الحج وهو بعيد أيضا، وإن دعموه بحديث أبي هريرة مرفوعا :" من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا " رواه ابن عدي، وحديث أبي أمامة عند الدارمي٥ والبيهقي :" من لم يمنعه من الحج حاجة ظاهرة أو سلطان جائر أو مرض حابس فمات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا " ورواه غيرهم باختلاف في اللفظ والروايات كلها ضعيفة إلا ما قيل في رواية موقوفة ؛ بل عده ابن الجوزي من الموضوعات. واعترض عليه لكثرة طرقه. وأمثل طرقه المرفوعة : ما روي عن علي كرم الله وجهه بلفظ :" من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا، وذلك لأن الله تعالى قال في كتابه :( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) الآية " رواه الترمذي، ٦ وقال : غريب، في إسناده مقال، والحارث يضعف. وهلال بن عبد الله الراوي له عن إسحاق مجهول. وقد قال بعضهم : إن تعدد طرق الحديث ترتقي به إلى درجة الحسن لغيره كما يقولون في مثله، ولا يقدح في ذلك قول العقيلي والدارقطني : لا يصح في هذا الباب شيء، إذ لا ندعي أن هناك شيئا صحيحا. وأشد من ذلك أثر عمر عند سعيد بن منصور في سننه قال :" لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كان له جِدَة ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين " واستدل بهذه الروايات على أن الحج واجب على الفور. وبه قال كثير من أهل الفقه والأثر. والآخرون يقولون : إنه على التراخي. والاحتياط أن لا يؤخر المستطيع الحج بغير عذر صحيح لئلا يفاجئه الموت قبل ذلك.
أقول : إن الآية تشتمل على مزايا وآيات لبيت الله الحرام. فالمزايا كونه أول مسجد وضع للناس، وكونه مباركا. وكونه هدى للعالمين، والآيات : مقام إبراهيم وأمن داخله، والحج إليه على ما بينا، ويذكر له المفسرون هنا خصائص ومزايا أخرى يعدونها من الآيات على تقدير " منها مقام إبراهيم " ومنهم من قال : إنها هي الآيات، وإن قوله " مقام إبراهيم " كلام مستقل. قال الرازي : فكأنه قال : فيه آيات بينات ؛ ومع ذلك هو مقام إبراهيم ومقره والموضع الذي اختاره وعبد الله فيه : ا ه ولعل الدافع لهم إلى هذا : فهمهم أن " مقام إبراهيم " تفسير للآيات وهو مفرد، وقد علمت أن ما بعده تابع له في ذلك. وما يؤيد ذلك : محاولة الآخرين أن يجعلوا مقام إبراهيم بمنزلة عدة آيات. قال الرازي : إن مقام إبراهيم اشتمل على الآيات، لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية، لأنه لان من الصخرة ما تحت قدميه فقط، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام آية خاصة لإبراهيم عليه السلام، وحفظه مع كثرة أعدائه من اليهود والنصارى والمشركين ألوف السنين آية. فثبت أن مقام إبراهيم عليه السلام آيات كثيرة : ا ه.
أقول : وقد تقدم في تفسير ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) [ البقرة : ١٢٥ ] أن بعضهم يقول : إن مقامه عبارة عن موقعه حيث ذلك ا
١ - أخرجه مسلم في الجهاد حديث ٨٦، وأبو داود في الإمارة باب ٢٥، وأحمد في المسند ٢/٢٩٢، ٥٣٨..
٢ - أخرجه البخاري في المغازي باب ٤٨..
٣ - كتب الأستاذ الشيخ رشيد رضا هذا قبل أن يستولي الوهابيون على الحجاز ومكة عام ١٩٢٤، وقد كانت بيد الشريف حسين المتحالف مع الإنكليز، وعندما دخل الوهابيون مكة ظافرين اندفع الشيخ رشيد رضا في تأييد انبعاث الوهابية في أواسط الجزيرة العربية، وسياسة زعيمها عبد العزيز بن سعود مرحبا بفتح الوهابيين للحجاز ومبرئا إياهم من تهمة الخروج على الدين معلنا أن عقيدتهم سنية صرفة ودينهم دين المسلمين الأولين، ورأى رشيد رضا أن ابن سعود يكاد يكون أفضل من حافظ على المبادئ الجوهرية للسنة ودافع عنها بعد الخلفاء الأربعة الأولين (راجع، الفكر العربي في عصر النهضة لألبرت حوراني ص ٢٧٧-٢٧٨).
٤ - هو الشيخ أبو بكر خوقير رحمه الله. ألف كتابا فصل المقال في توسل الجهال. فعاقبه الحسين بن علي بالسجن هو وابنه، حتى مات ابنه في السجن. وما خرج الشيخ أبو بكر إلا بعد دخول الملك آل سعود وكتبه المعتصم رضا (المؤلف)..
٥ - كتاب المناسك باب ٢..
٦ - كتاب الحج باب ٣..
٢ - أخرجه البخاري في المغازي باب ٤٨..
٣ - كتب الأستاذ الشيخ رشيد رضا هذا قبل أن يستولي الوهابيون على الحجاز ومكة عام ١٩٢٤، وقد كانت بيد الشريف حسين المتحالف مع الإنكليز، وعندما دخل الوهابيون مكة ظافرين اندفع الشيخ رشيد رضا في تأييد انبعاث الوهابية في أواسط الجزيرة العربية، وسياسة زعيمها عبد العزيز بن سعود مرحبا بفتح الوهابيين للحجاز ومبرئا إياهم من تهمة الخروج على الدين معلنا أن عقيدتهم سنية صرفة ودينهم دين المسلمين الأولين، ورأى رشيد رضا أن ابن سعود يكاد يكون أفضل من حافظ على المبادئ الجوهرية للسنة ودافع عنها بعد الخلفاء الأربعة الأولين (راجع، الفكر العربي في عصر النهضة لألبرت حوراني ص ٢٧٧-٢٧٨).
٤ - هو الشيخ أبو بكر خوقير رحمه الله. ألف كتابا فصل المقال في توسل الجهال. فعاقبه الحسين بن علي بالسجن هو وابنه، حتى مات ابنه في السجن. وما خرج الشيخ أبو بكر إلا بعد دخول الملك آل سعود وكتبه المعتصم رضا (المؤلف)..
٥ - كتاب المناسك باب ٢..
٦ - كتاب الحج باب ٣..
تفسير المنار
المؤلف
رشيد رضا
عدد الأجزاء
1
التصنيف
التفسير