فيه آيات بينات منها أن الطير تطير فلا تعلو فوقه، ومنها أن الجارحة تقصد صيد أخارج الحرام فإذا دخلت الصيد في الحرم كفت عنه ومنها مقام إبراهيم مبتدأ محذوف خبره أو بدل من آيات بدل البعض من الكل وهو الحجر الذي قام عليه إبراهيم لبناء البيت حين ارتفع البناء وكان فيه أثر قدميه فاندرس من كثرة المسح بالأيدي، فأثر الصخرة الصماء، وغوصهما فيها إلى الكعبين، وتخصيصها بهذه الآية من بين الصخار وبقاؤه دون آثار سائر الأنبياء، وحفظه مع كثرة أعدائه ألوف سنة كل ذلك آية، ومن ثم قيل : إن مقام إبراهيم عطف بيان الآيات وقيل أراد بمقام إبراهيم جميع الحرم ومن دخله أي الحرم كان آمنا من القتل والنهب، جملة ابتدائية أو شرطية معطوفة من حيث المعنى على مقام إبراهيم يعني آيات بينات زمنها مقام إبراهيم، ومنها الأمن لمن دخل الحرم فإن العرب في الجاهلية كانت تقتل بعضهم بعضا وتغير بعضهم على بعض ومن دخل الحرم لا يتعرضونه كذا قال الحسن وقتادة وأكثر المفسرين نظيرة قوله تعالى : أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ١ وقال أبو حنيفة رحمه الله : معناه من دخله كان آمنا لا يجوز قتله، فمن وجب عليه القتل قصاصا أو حدا خارج الحرم فالتجأ إلى الحرم لا يستوفى منه لكنه لا يطعم ولا يبايع ولا يشاري حتى يخرج فيقتل كذا قال ابن عباس، وقال الشافعي وغيره : يستوفى منه القصاص وإن دخل فيه وأما إذا ارتكب الجريمة في الحرم يستوفى منه عقوبته اتفاقا ومر في تفسير قوله تعالى : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلونكم فيه ٢ أنه لا يجوز في الحرم البداية في القتال مع الكفار أيضا، فلو غلب الكافرون ودخلوا الحرم والعياذ بالله أخرجهم بالأيدي أو ضربهم بالسياط ونحوها أو حاصرهم وحبس عنهم الطعام والشراب حتى يخرجوا عن الحرم فيقاتلهم أو يبتدئون بالقتال فيقاتلهم ثمة، فهذه الآية خبر بمعنى الأمر يعني من دخله فأمّنوه كقوله تعالى : فلا رفث ولا فسوق ٣ يعني لا ترفثوا ولا تفسقوا، وقيل معناه من دخله معظما له متقربا إلى الله عز وجل كان آمنا يوم القيامة من العذاب، أخرج أبو داود الطيالسي في مسنده والبيهقي في شعب الإيمان من حديث أنس والطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب من حديث سلمان والطبراني في الأوسط من حديث جابر والدارقطني في سننه من حديث حاطب أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا من النار " ٤ وأخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن سالم بن عبد الله بن عمر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أبعث يوم القيامة بين أبي بكر وعمر، ثم أذهب إلى أهل بقيع الغرقد فيبعثون معي، ثم أنظر إلى أهل مكة حتى يأتوني فأبعث بين أهل الحرمين " وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوة عن سالم عن أبيه موصولا، وأخرج الخطيب عن نافع عن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أحشر يوم القيامة بين أبي بكر وعمر حتى أقف بين الحرمين فيأتي أهل المدينة وأهل مكة " ولله أي استقر له وافترض على الناس المراد بالناس الأحرار العقلاء البالغون فلا يجب الحج على المجانين والصبيان لعدم أهليتهم للخطاب ولا على العبيد بالإجماع، فلو حج الكافر أو الصبي العاقل أو العبد ثم أسلم الكافر وبلغ الصبي، وأعتق العبد يجب عليه حجة الإسلام ثانيا بالإجماع، وسند الإجماع حديث ابن عباس :" أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما أعرابّي حج ثم هاجر فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى " رواه الحاكم، والمراد بالأعرابي الذي لم يهاجر من لم يسلم فإن مشركي العرب كانوا يحجون، قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين، ورواه ابن أبي شيبة فذكر نحوه وروي أبو داود مرسلا عن محمد بن كعب القرظي، وفي الباب عن جابر وسنده ضعيف، وهذه الأحاديث تلقته الأمة بالقبول وانعقد على مقتضاه الإجماع فجاز به تخصيص الكتاب حج البيت قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي وحفص بكسر حاء حج البيت في هذا الحرف خاصة والباقون بالفتح والكسر لغة نجد والفتح لغة أهل الحجاز وهما لغتان فصيحتان ومعناهما واحد، وفي المدارك أن بالكسر اسم وبالفتح مصدر. والحج في اللغة : القصد، والمراد هاهنا عبادة مخصوصة فيها إجمال التحق بيانه بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالآيات مثل قوله تعالى : ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ٥ وقوله تعالى : وليطوفوا بالبيت العتيق ٦ ونحو ذلك. ( مسألة ) : أجمع الأمة على أن الحج أحد أركان الإسلام فرض على الأعيان. عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان " ٧ متفق عليه، وفي الباب أحاديث كثيرة من استطاع إليه أي إلى البيت سبيلا الموصول بدل من الناس بدل البعض خصص له فلا يجب الحج على غير المستطيع، والسبيل الطريق منصوب على المفعولية، وإليه حال منه مقدم عليه والمراد به الذهاب على طريقة جري النهر يعني من استطاع ذهابا إلى البيت. ولأجل قصر الحكم على المستطيع أجمع العلماء على أنه يشترط لوجوب الحج أن يكون الطريق آمنا والمنازل المأهولة معمورة يوجد فيه الزاد والماء وعند فوات الأمن لا يجب الحج، وكونه البحر بينه وبين مكة إذا كانت السلامة غالبا لا يمنع فوات وجوب الحج عندهم خلافا لأحد قولي الشافعي، وكذلك يشترط عند أبي حنيفة ومالك الصحة فلا يجب عندهما على الضعيف والزمن وإن كان له مال يمكن أن يستنيب من يحج عنه لأنه غير مستطيع بنفسه، والحج عبادة بدنية والمقصود من العبادات البدنية إتعاب النفس فلا يحصل مقصودة بلا ستنابة، وقال الشافعي وأحمد : هو مستطيع بماله، قال البغوي : يقال في العرف فلان مستطيع لبناء دار وإن كان لا يفعله بنفسه وإنما يفعله بماله وبأعوانه، قلنا : هو غير مستطيع على الحج الذي هو عبارة عن أركان مخصوصة وإنما هو مستطيع على الإنفاق والمقصود في البناء ليس إتيانه بنفسه بخلاف العبادات البدنية فلا يجري فيه ذلك العرف. واحتج الشافعي وأحمد بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان الفضل دون النبي صلى الله عليه وسلم فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر فقالت : يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يمسك على الرحل أفأحج عنه ؟ قال : نعم " وفي رواية " لا يستطيع أن يستوي على الراحلة فهل تقضي عنه أن أحج عنه ؟ قال : نعم، وذلك في حجة الوداع " ٨ متفق عليه. والجواب : أنه حديث آحاد لا يجوز به نسخ الكتاب المقتضى لاشتراط الاستطاعة، قد قيل في الجواب : أن معناه فريضة الله على عباده في الحج الذي وقع بشرط الاستطاعة صادف أبي بصفة عدم الاستطاعة أفأحج عنه أي هل يجوز لي ذلك، أو هل فيه أجر ومنفعة له ؟ فقال : نعم. وتعقب بأن في بعض ألفاظه والحج مكتوب عليه ونحوه، وأجيب بأنه لو صح تلك الألفاظ فهو ظن من امرأة ظنت ظنا، وتعقب بأن النبي صلى الله عليه وسلم أجابها عن سؤالها ولو كان ظنها غلطا لبينّه لها، وأجيب بأنه إنما أجابها عن سؤالها أفأحج عنه فقال حجي عنه لما رأى من حرصها على إيصال الخير والثواب لأبيها، ويؤيده ما رواه عبد الرازق من حديث ابن عباس فزاد في الحديث " حجي عن أبيك فإن لم تزده خيرا لم تزده شرا " لكن جزم الحفاظ بأنها رواية شاذة، والأولى أن يحمل الحديث على من استقر في ذمته صحيحا ثم طرأ عليه ضعف وزمانة فإنه لا يسقط عنه الحج بل يجب عليه أن يحج عنه غيره من ماله ما دام حيا أو يوصي به عند موته، وإذا مات ولم يحج يحج عنه وارثه أو يحج عنه أجنبيا من ماله إن شاء فالحج عن الغير قضاء بمثل غير معقول ثبت بهذا الحديث كما ثبت الفدية عن الصوم في حق الشيخ الفاني بنص الكتاب، وافتراض الحج كان علم الحديبية سنة بقوله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله ٩ وهذه قصة حجة الوداع فلعل أباه ضعف في تلك السنين بعد الوجوب والله أعلم. وكذا يشترط البصارة عند أبي حنيفة فلا يجب الحج على الأعمى وإن وجد قائدا لأنه غير مستطيع بنفسه والاستطاعة بالغير غير معتبر عنده، وقال أبو يوسف ومحمد والجمهور : الأعمى إذا وجد قائدا يجب عليه الحج وكذا الخلاف في وجوب الجمعة على الأعمى ولأجل اشتراط الاستطاعة يشرط عند أبي حنيفة في حق المرأة أن يكون معها زوجها أو ذو محرم منها إذ كان بينها وبلين مكة ثلاثة مراحل، وقال أحمد : يشترط ذلك مطلقا طالت المسافة أو قصرت فإن لم يكن لها رجل كذلك، أو كان ولا يخرج معها أو كان لا يخرج معها إلا بأجرة وهي لا تقدر على الأجرة لا يجب عليها الحج وذلك أنها ممنوعة عن السفر إلا ومعها زوجها أو ذو محرم منها، والمهجور شرعا كالمهجور عادة فصارت غير مستطيعة. وجه قول أبي حنيفة في اشتراط مسافة ثلاثة أيام : حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا تسافر المرأة ثلاثا إلا معها ذو محرم " ١٠ متفق عليه، وفي رواية لمسلم " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم " وفي رواية " فوق ثلاث " وفي الباب مقيدا بثلاثة أيام حديث أبي هريرة رواه مسلم والطحاوي، وفي رواية للطحاوي " فوق ثلاث ليال " وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه جده يلفظ " ثلاثة أيام " رواه الطحاوي، وحديث أبي سعيد الخدري رواه مسلم والطحاوي بلفظ " ثلاث أيام فصاعدا " وفي رواية لمسلم بلفظ فوق ثلاث وبلفظ أكثر من ثلاث. وقال أحمد : التقييد بالثلاث أو أكثر من الثلاث اتفاقي مع أن المفهوم غير معتبر عند أبي حنيفة فكيف يستدل به على إباحة السفر فيما دون ذلك ولو كان احترازيا لتعارض رواية ثلاث برواية فوق ثلاث، ووجه قول أحمد في المنع في دون الثلاث أنه وقع ففي الصحيحين حديث أبي هريرة بلفظ مسيرة يوم وليلة، وفي رواية لمسلم مسيرة يوم، وفي لفظ له مسيرة ليلة وفي حديث أبي سعيد الخدري عنه مسلم وغيره مسيرة يومين وعند الطحاوي مسيرة ليلتين، وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود والطحاوي " لا تسافر المرأة بريدا إلا مع زوج أو ذي رحم محرم " رواه ابن حبان في صحيحة والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم، وللطبراني في معجمه ثلاثة أميال فظهر أن التقييد بيوم أو يومين أو ثلاثة أيام ليس إلا تمثيلا لأقل الأعداد واليوم الواحد أول العدد وأقله. والبريد مرحلة واحدة غالبا، والاثنان أول الكثير وأقله والثلاث أول الجمع وأقله وقد ورد من الأحاديث بلا تقييد منها حديث ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم " فقال رجل : يا رسول الله إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا وامرأتي تريد الحج ؟ قال :" اخرج معها " ١١ متفق عليه، وفي الباب حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، وقال الشافعي : جاز للمرأة أن تخرج للحج مع نساء ثقات وفي رواية مع امرأة واحدة ثقة، وإذا خرجت مع نساء ثقات يشترط أن يكون مع إحداهن ذو محرمها، وفي المنهاج أنه لا يشترط ذلك وفي رواية عن الشافعي جاز لها الخروج
٢ سورة البقرة، الآية: ١٩١..
٣ سورة البقرة، الآية: ١٩٧..
٤ رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه عبد الرحمن المسروقي وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وفيه عبد الله بن المؤمل وثقة ابن حبان وغيره وضعفه أحمد وغيره وإسناده حسن. انظر مجمع الزوائد في كتاب: الجنائز، باب: فيمن مات في أحد الحرمين (٣٨٩٠)..
٥ سورة البقرة، الآية: ١٩٩..
٦ سورة الحج، الآية: ٢٩..
٧ أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس" (٨).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: أركان الإسلام ودعائمه العظام (١٦)..
٨ أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: وجوب الحج وفضله (١٥١٣) وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما أو للموت (١٣٣٤)..
٩ سورة البقرة، الآية: ١٩٦..
١٠ أخرجه البخاري في كتاب: تقصير، باب: في كم يقصر الصلاة (١٠٨٦) وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره (١٣٣٨)..
١١ أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: حج النساء وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره (١٣٤١)..
التفسير المظهري
المظهري