ﯵﯶﯷ

وكم كانت البشرى باستجابة دعاء إبراهيم سريعة معجلة، فضلا من الله وكرما، حيث قال تعالى : فبشرناه بغلام حليم( ١٠١ ) ، وكلمة غلام ، تفيد أن المولود المتمنى على الله سيكون ذكرا، وأنه سيتجاوز مرحلة الطفولة ويبلغ الحلم، وكلمة حليم ، تدل على أنه سيلقى من الابتلاء ما يحتاج إلى الحلم في تحمله، وبذلك يكون حليما مثل أبيه، إن إبراهيم لحليم أواه منيب ، ( ٧٥ : ١١ ) والوصف " بالحلم " يشعر بأن الغلام المبشر به في هذا المقام هو إسماعيل لا إسحاق، لأن الوصف بالحلم أنسب به أكثر من أخيه، وأي حلم أعظم من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح فقال : ستجدني إن شاء الله من الصابرين( ١٠٢ ) .
ومن الحديث عن تبشير الله لإبراهيم بغلام حليم ، انتقل كتاب الله فجأة إلى عرض الملحمة الكبرى التي ابتلى الله فيها هذا الغلام، ووالده " الإمام " فكانت مناسبة لامتحان مبلغ ما عند الوالد والولد من " حلم " عظيم، وفرصة لإبراز مالهما عند الله من مقام كريم، وذلك قوله تعالى : فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ؟ قال يا أبتي افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين( ١٠٢ ) فلما أسلما وتله للجبين( ١٠٣ ) ونديناه أن يا إبراهيم( ١٠٤ ) قد صدقت الرؤيا، إنا كذلك نجزي المحسنين( ١٠٥ ) إن هذا لهو البلاء المبين( ١٠٦ ) وفديناه بذبح عظيم( ١٠٧ ) .
ذلك أن إبراهيم وابنه لما علما أن رؤيا الأنبياء من وحي الله، واستسلما لقضاء الله، الأول " إبراهيم " في قرة عينه، والثاني " إسماعيل " في نفسه، وتهيئا للعمل، ذاك بصورة الذابح، وهذا بصورة المذبوح، وكان ما كان من أمر إبراهيم امتثالا، ومن إسماعيل انقيادا، أكرم الله إبراهيم وابنه بذبح عظيم ، وإنما كان " عظيما " لأنه فداء لولد إبراهيم العظيم، وما أدراك ما إبراهيم وآل إبراهيم، قال إني جاعلك للناس إماما ( ١٢٤ : ٢ )، الآية، وبذلك رفع الحق سبحانه وتعالى عن إبراهيم وولده " الذبيح " محنة مزدوجة تعم الوالد والولد، ولا محنة أصعب منها ولا أشد، إن هذا لهو البلاء المبين ، ولو تمت تلك الذبيحة لكانت " سنة "، ولذبح أتباع إبراهيم أبناءهم، لكن الله سلم، فشرعت الأضحية في الإسلام، رمزا إليها وتذكيرا بها، وشكرا لله على نعمة الحياة التي أكرمنا بها، ودعانا إلى الحفاظ عليها، وأمر الله رسوله " بيوم الأضحى، فجعله عيدا لهذه الأمة " كما ورد ذلك في حديث شريف صححه ابن حبان.

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير