فلما بلغ معه السعي عطف على جملة محذوفة تقديره فولد الغلام فلما بلغ معه السعي أي بلغ أن يسعى معه في أعماله ويعينه، وقال الكلبي يعني العمل لله وهو قول الحسن ومقاتل بن حبان وابن زيد قالوا هو العبادة، وقال ابن عباس وقتادة لما بلغ أن يسعى إلى الجبل معه وقال مجاهد عن ابن عباس يعني أنه شب حتى بلغ سعيه سعي إبراهيم، قيل كان سنة ثلاث عشرة سنة وقيل سبع سنين، والظرف أعني معه متعلق بمحذوف دل عليه السعي لا به لأن صلة المصدر لا يتقدمه ولا يبلغ فإن بلوغهما لم يكن معا كأنه قال فلما بلغ السعي فقيل مع من فقيل مع كذا قيل، والأولى أن يقال أنه ظرف مستقر حال من السعي قال يا بني قرأ حفص بفتح الياء إني أرى في المنام أني أذبحك يحتمل أنه رأى ذلك ويحتمل أنه رأى ما هو تعبيره، قال محمد ابن إسحاق كان إبراهيم إذا زار هاجر وإسماعيل حمل على البراق فيغدو من الشام فيقيل بمكة ويروح من مكة فيبيت بالشام حتى إذا بلغ إسماعيل معه السعي، وأخذ بنفسه ورجاه لما كان يأمل فيه من عبادة ربه وتعظيم حرماته أمر في المنام أن يذبحه وذلك أنه رأى ليلة التروية كأن قائلا يقول له أن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح روى في نفسه أي فكر من الصباح إلى الرواح أمن الله هذا الحلم أم من الشيطان فمن ثم سمي يوم التروية فلما أمسى رأى في المنام ثانيا فلما أصبح عرف أن ذلك من الله فمن ثم سمي عرفة كذا أخرج البيهقي في شعب الإيمان من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال ابن إسحاق وغيره فلما أمر إبراهيم بذبح ابنه قال لابنه خذ الحبل والمدية ننطلق إلى هذا الشعب نحتطب فلما خلا إبراهيم بابنه في شعب ثبير أخبره بما أمر به، قال مقاتل رأى في المنام ثلاث ليال متتابعات فلما تيقن ذلك أخبر به ابنه إني أرى في المنام أني أذبحك وقال السدي لما دعا إبراهيم فقال رب هب لي من الصالحين ١٠٠ } وبشر به قال هو إذا لله ذبيح فلما ولد وبلغ معه السعي قيل له يعني من الله أوفي بنذرك هذا هو السبب في أمر الله بذبح ابنه، وهذا القول ينافي الابتلاء، قال البغوي إنه قال إبراهيم لإسماعيل إنطلق نقرب قربانا لله عز وجل فأخذ سكينا وحبلا فانطلق معه حتى ذهب به بين الجبال فقال الغلام يا أبت أين قربانك قال : يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك قرأ نافع وابن كثير وأبو عمر وبفتح ياء المتكلم في إني أرى وإني أذبحك والباقون بإسكانها فيهما فانظر ماذا ترى قرأ حمزة والكسائي بضم التاء وكسر الراء من الأفعال من الرأي لا من الرؤية أي ماذا تشير وإنما استشارة ليعلم صبره على أمر الله وعزيمته على طاعته والباقون بفتح التاء والراء وأبو عمرو يميل فتحة الراء قال إسماعيل يا أبت افعل ما تؤمر أي ما تؤمر به فحذفا دفعة أو على الترتيب أو افعل أمرك أي مأمورك والإضافة إلى المأمور، وهذا يدل على أن رؤيا الأنبياء وحي واجب الامتثال وقد روى عبد بن حميد عن قتادة أن رؤيا الأنبياء وحي، وروى البخاري في الصحيح عن أبي سعيد الخدري ومسلم عن ابن عمر وأبي هريرة وأحمد وابن ماجه عن أبي رزين والطبراني عن ابن مسعود مرفوعا " الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة " ١، ولا شك أن رؤيا الأنبياء كلها صالحة لا يحتمل الفساد وأما رؤيا غيرهم فمنها صالحة ومنها دون ذلك ستجدني قرأ نافع بفتح الياء والباقون بإسكانها إن شاء الله من الصابرين على الذبح.
التفسير المظهري
المظهري