ثم ذكر سبحانه صفة أخرى لهم، فقال : يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مّن مَّعِينٍ ويجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة جواباً عن سؤال مقدّر، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من ضمير متقابلين ، والكأس عند أهل اللغة اسم شامل لكلّ إناء فيه الشراب، فإن كان فارغاً فليس بكأس. وقال الضحاك والسدّي : كل كأس في القرآن فهي الخمر. قال النحاس : وحكى من يوثق به من أهل اللغة : أن العرب تقول للقدح إذا كان فيه خمر كأس، فإذا لم يكن فيه خمر، فهو قدح كما يقال للخوان إذا كان عليه طعام مائدة، فإذا لم يكن عليه طعام لم يقل له مائدة، و من معين متعلق بمحذوف هو صفة لكأس. قال الزجاج : بكأس من معين ، أي من خمر تجري كما تجري العيون على وجه الأرض. والمعين الماء الجاري.
وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه في قوله : كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إله إِلاَّ الله يَسْتَكْبِرُونَ قال : كانوا إذا لم يشرك بالله يستنكفون، وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو ءالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ لا يعقل، قال : فحكى الله صدقه، فقال : بَلْ جَاء بالحق وَصَدَّقَ المرسلين . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلاّ الله، فمن قال لا إله إلاّ الله، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله» وأنزل الله في كتابه، وذكر قوماً استكبروا، فقال : إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إله إِلاَّ الله يَسْتَكْبِرُونَ ، وقال : إِذْ جَعَلَ الذين كَفَرُواْ في قُلُوبِهِمُ الحمية حَمِيَّةَ الجاهلية فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى وكانوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا [ الفتح : ٢٦ ] وهي : لا إله إلاّ الله محمد رسول الله، استكبر عنها المشركون يوم الحديبية يوم كاتبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قضية الهدنة.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله : يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مّن مَّعِينٍ قال : الخمر لاَ فِيهَا غَوْلٌ قال ليس فيها صداع وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ قال : لا تذهب عقولهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه قال : في الخمر أربع خصال : السكر، والصداع، والقيء، والبول، فنزّه الله خمر الجنة عنها، فقال : لاَ فِيهَا غَوْلٌ لا تغول عقولهم من السكر وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ قال : يقيئون عنها كما يقيء صاحب خمر الدنيا عنها. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس لاَ فِيهَا غَوْلٌ قال : هي الخمر ليس فيها وجع بطن. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عنه أيضاً في قوله : وَعِندَهُمْ قاصرات الطرف يقول : من غير أزواجهنّ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ قال : اللؤلؤ المكنون. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله : كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ قال : بياض البيضة ينزع عنها فوفها وغشاؤها.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني