أذلك خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزقوم الإشارة بقوله ذلك إلى ما ذكره من نعيم الجنة، وهو مبتدأ، وخبره خير ، و نزلاً تمييز، والنزل في اللغة الرزق الذي يصلح أن ينزلوا معه، ويقيموا فيه، والخيرية بالنسبة إلى ما اختاره الكفار على غيره. قال الزجاج : المعنى أذلك خير في باب الإنزال التي يبقون بها نزلاً، أم نزل أهل النار، وهو قوله : أَمْ شَجَرَةُ الزقوم ، وهو ما يكره تناوله. قال الواحدي : وهو شيء مرّ كريه يكره أهل النار على تناوله، فهم يتزقمونه، وهي على هذا مشتقة من التزقم، وهو البلع على جهد لكراهتها ونتنها. واختلف فيها هل هي من شجر الدنيا التي يعرفها العرب أم لا ؟ على قولين : أحدهما : أنها معروفة من شجر الدنيا، فقال قطرب : إنها شجرة مرّة تكون بتهامة من أخبث الشجر. وقال غيره : بل هو كلّ نبات قاتل. القول الثاني : أنها غير معروفة في شجر الدنيا. قال قتادة : لما ذكر الله هذه الشجرة افتتن بها الظلمة، فقالوا : كيف تكون في النار شجرة.
وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال :«كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في يدي، فرأى جنازة فأسرع المشي حتى أتى القبر، ثم جثى على ركبتيه، فجعل يبكي حتى بلّ الثرى، ثم قال : لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ العاملون ».
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال : دخلت مع النبي صلى الله عليه وسلم على مريض يجود بنفسه، فقال : لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ العاملون . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : مرّ أبو جهل برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جالس، فلما بعد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أولى لَكَ فأولى * ثُمَّ أولى لَكَ فأولى [ القيامة : ٣٤، ٣٥ ]، فلما سمع أبو جهل قال : من توعد يا محمد ؟ قال :«إياك» قال : بما توعدني ؟ قال :«أوعدك بالعزيز الكريم» فقال أبو جهل : أليس أنا العزيز الكريم ؟ فأنزل الله : شَجَرَةُ الزقوم *طَعَامُ الأثيم إلى قوله : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم [ الدخان : ٤٣-٤٩ ] فلما بلغ أبا جهل ما نزل فيه جمع أصحابه، فأخرج إليهم زبداً وتمراً، فقال : تزقموا من هذا، فوالله ما يتوعدكم محمد إلا بهذا، فأنزل الله إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أَصْلِ الجحيم إلى قوله : ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ . وأخرج ابن أبي شيبة عنه قال : لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت إلى الأرض لأفسدت على الناس معايشهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً قال : لمزجاً. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً قال : في قوله : لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ يخالط طعامهم، ويشاب بالحميم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء، ويقيل هؤلاء أهل الجنة وأهل النار، وقرأ :" ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم ". وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ ءابَاءهُمْ ضَالّينَ قال : وجدوا آباءهم.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني