الصفة الثانية قوله :«طَلْعُها » أي ثمرها سمي طَلْعاً لطُلُوعه١. قال الزمخشري : الطَّلْعُ للنخلة فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها إما استعارة لفظية أو معنوية٢، قال ابن قتيبة : سمي طلْعاً لطُلُوعِهِ كُلَّ سنة٣ فلذلك قيل : طلع النخل لأول ما يخرج من ثمره.
قوله : رُءُوسُ الشياطين فيه وجهان :
أحدهما : أنه حقيقة، وأن رؤوس الشياطين شجرةٌ معينة٤ بناحية اليمن تسمى الأستن قال النابغة :
٤٢١٣- تَحِيدُ عَنْ أسْتن سُودٍ أَسَافِلُهَا. . . مِثْل الإمَاءِ الغَوَادِي تَحْمِلُ الحُزَمَا٥
وهو شجر منكر الصورة سَمَّتْهُ العرب بذلك تشبيهاً برُؤوس الشياطين في القبح ثم صار أصلاً يشبه به. وقيل : الشياطين صنف من الحيات ولهن أعراف قال :
٤٢١٤- عُجَيْزٌ تَحْلِفُ حِينَ أَحْلِفُ. . . كَمِثْلِ شَيْطَانِ الْحَمَاطِ أَعْرَفُ٦
وقيل : شجر يقال له : الصوم ومنه قول ساعدة بْن جُؤَيَّةَ :
٤٢١٥- مُوَكّلٌ بشُدُوفِ الصَّوْمِ يرْقُبُهَا. . . مِنَ الْمَعَازِبِ مَخْطُوفُ الحَشَا زَرِمُ٧
فعلى هذا قد خوطبت العرب بما تعرفه، وهذه الشجرة موجودة فالكلام حقيقة، والثاني أنه من باب التخيل والتمثيل وذلك أنه كل ما يستنكر ويستقبح في الطباع والصورة يشبه بما يتخيله الوهم وإن لم يره والشياطين وإن كانوا موجودين غَيْرَ مَرئيِّين للعرب إلا أنه خاطبهم بما أَلِفُوهُ من الاستعارات التخييليه٨ كقول امرئ القيس :[ البسيط ]
٤٢١٦- أَيَقْتُلُنِي وَالْمَشْرِفيُّ مُضَاجِعِي. . . ومَسْنُونَةٌ زرْقٌ كَأَنْيَابِ أَغْوَالِ٩
ولم ير أنيابها ؛ بل ليست موجودة ألبتة، قال ابن الخطيب : وهذا هو الصحيح ؛ وذلك أن الناس لما اعتقدوا في الملائكة كمال الفضل في الصورة والسيرة واعتقدوا في الشياطين نهاية القبح في الصورة والسيرة فكما حسن التشبيه بالملك عند إرادة الكمال والفضيلة في قول النساء : إِنْ هذآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ [ يوسف : ٣١ ] فكذلك حَسُنَ التشبيه برؤوس الشياطين بالقبح وتشويه الخلقة، ويؤكد هذا أن العقلاء إذَا رأوا شيئاً ( شديد١٠ الاضطراب منكر الصورة قبيح الخلقة قالوا : إنه شيطان وإذا رأوا شيئاً ) حَسَناً قالوا : إنه ملكٌ من الملائكة١١. قال ابن عباس : هم الشياطين بأعيانهم شبهه بها لقُبْحِهِ.
٢ الكشاف ٣/٣٤٢..
٣ انظر: غريب القرآن له ٣٧٢ وتأويل المشكل له أيضا ٣٠٢ وانظر: القرطبي ١٥/٨٦..
٤ في السمين: شجر بعينه ووصفه اللسان بذلك ولم يحدد مكانه..
٥ من البسيط وهو له يصف ناقة تعدل في سيرها وتبعد عن هذا الشجر كأنها خائفة منه والأستن –كما جاء في اللسان- شجر يفشو في منابته ويكثر وإذا نظر إليه الناظر من بعد شبههه بشخوص الناس ولذلك يسمى برؤوس الشياطين. انظر اللسان: "س ت ن" ١٩٣٦ والدر المصون ٤/٥٥٦ وكامل المبرد ٣/١٩٣، وديوانه (٦٥)..
٦ رواية البيت هنا كما في البحر المحيط ٧/٣٦٣ والدر المصون ٤/٥٥٧ ورواه الفراء في المعاني: عنجرد تحلف.. إلخ. والحماط: شجر تألفه الحيات، وأعرف: ذو عرف والمراد بشيطان الحماط: الحية التي تسكنه. يهجو امرأته بأنها عنجرد أي عجوز شمطاء وهي خبيثة وداهية تشبه تلك الحية التي تسكن هذا الشجر. والشاهد: إطلاق العرب لفظ الشيطان على نوع معين من الحيات. بقي أن أقول: إن البيت من تمام الرجز ولم أعرف قائله. وانظر: معاني الفراء ٢/٣٨٧ واللسان عنجرد ٣١٢٣ والدر المصون ٤/٥٥٧ والبحر المحيط ٧/٣٦٣ والقرطبي ١٥/٨٧..
٧ من البسيط وهو مجهول القائل. والصوم شجر على شكل شخص الإنسان كريه المنظر جدا يقال لثمره رؤوس الشياطين ويعنى بها الحيات وأكثر ما ينبت في بلاد بني شبابة. والمعازب الأماكن البعيدة، والشدوف: الشخوص ومخطوف الحشا ضامره، وزرم: لا يثبت في مكان ومعناه أنه يرقب شخوص هذه الأشجار يحسبها ناسا وهو في خوف لا يكاد يستقر في مكان وأتى بالبيت يقول: إن رؤوس الشياطين يطلق على ثمر هذا الشجر المسمى بالصوم. وانظر: اللسان "ص و م" ٢٥٣٠ والبحر ٧/٣٦٣ وأمالي القالي ١/٢٥ والخصائص ٣/٧٩ وديوان الهذليين ١/١٩٤ وانظره هو وما قبله في مجمع البيان ٧/٩٦، وورد في مجمع البيان: المعارم: وهي النقط السوداء في أذن الشاة الضائنة وورد فيه يرقبه..
٨ الكشاف ٣/٣٤٣ والبحر ٧/٣٦٣..
٩ من الطويل والمشرفي نسبة إلى مشارف الشام كانت تصنع في قراها السيوف والمسنون المحدد المصقول. وشاهده بلاغي حيث شبه تشبيها وهميا وهو غير المدرك بإحدى الحواس الخمس فإن أنياب الغول مما لا يدركه الحس لدم تحققها. وانظر: دلائل الإعجاز ١٤٩ ومعاهد التنصيص ١/١٣٤ والبحر ٧/٣٦٣ وكامل المبرد ٣/٩٦ وفتح القدير للشوكاني ٤/٣٩٨ ومجمع البيان للطبرسي ٦٩٧ وديوانه ٣٣..
١٠ ما بين المعقوفتين كله ساقط من "ب" وهو في الرازي و "أ"..
١١ الرازي ٢٦/١٤٢ وانظر بيت امرىء القيس أيضا فيه وفي زاد المسير ٧/٦٣ واللسان: "غ و ل"..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود