مطلب : في معنى التحريف
قوله : يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ تحريفهم إياه يكون بوجهين، أحدهما : بسوء التأويل، والآخر : بالتغيير والتبديل. وأما ما قد استفاض وانتشر في أيدي الكافة فغير ممكن تغيير ألفاظه إلى غيرها لامتناع التواطؤ على مثلهم، وما لم يستفض في الكافة وإنما كان عِلْمُهُ عند قوم من الخاصة يجوز على مثلهم التواطؤ، فإنه جائز وقوع تغيير ألفاظه ومعانيه إلى غيرها وإثبات ألفاظ أُخَرَ سواها. وأما المستفيض الشائع في أيدي الكافّة فإنما تحريفهم على تأويلات فاسدة، كما تأولت المشبِّهة والمجبِّرة كثيراً من الآي المتشابهة على ما تعتقده من مذهبها وتدّعي من معانيها ما يوافق اعتقادها دون حَمْلِهَا على معاني الآي المحكمة. وإنما قلنا إنه غير جائز وقوعُ التحريف من جهة تغيير الألفاظ فيما استفاض وانتشر عند الكافة، مِنْ قِبَلِ أن ذلك لا يقع إلاّ بالتواطؤ عليه، ومثلهم مع اختلاف هِمَمِهِمْ وتباعُدِ أوطانهم لا يجوز وقوع التواطؤ منهم على مثله، كما لا يجوز وقوع التواطؤ من المسلمين على تغيير شيء من ألفاظ القرآن إلى غيره ؛ ولو جاز ذلك لجاز تواطؤهم على اختراع أخبار لا أصل لها، ولو جاز ذلك لما صحّ أن يعلم بالأخبار شيء ؛ وقد عُلم بطلان هذا القول اضطراراً.
أحكام القرآن
الجصاص