الواجب فيه عن أهله، ولا تؤخر الإيتاء عن وقته، ولا تحوج الفقير إلى طلبه فإنّ الواجب عليك أن توصل ذلك إلى مستحقه.
وتعزير «١» الرسل الإيمان بهم على وجه الإجلال، واعتناق أمرهم بتمام الجد والاستقلال، وإيثارهم عليك فى جميع الأحوال.
قوله جل ذكره: وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً.
الأغنياء ينفقون أموالهم فى سبيل الله، والفقراء يبدلون مهجتهم وأرواحهم فى طلب الله، (فأولئك) «٢» عن مائتى درهم يخرجون خمسة، وهؤلاء لا يدخرون عن أمره نفسا ولا ذرّة.
قوله جل ذكره: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ.
التكفير هو الستر والتغطية، وإنه يستر الذنوب حتى عن (العاصي) «٣» فيمحو من ديوانه، وينسى الحفظة سوالف عصيانه. وينفى عن قلبه تذكر ما أسلفه، ولا يوقفه فى العرصة على ما قدّم من ذنبه، ثم بعد ذلك يدخله الجنة بفضله كما قال: «وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ»، كما قيل:
| ولما رضوا بالعفو عن ذى زلة | حتى أنالوا كفّه وازدادوا |
فمن جحد هذه الأيادى بعد اتضاحها فقد عدل عن نهج أهل الوفاء، وحاد عن سنن أصحاب الولاء.
قوله جل ذكره:
[سورة المائدة (٥) : آية ١٣]
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)
جعل جزاء العصيان الخذلان للزيادة فى العصيان.
(٢) وردت (فهؤلاء) وقد جعلناها أولئك إشارة إلى البعيد ليتميز كل فريق.
(٣) وردت (المعاصي) بالميم والصواب بدونها فهكذا يتطلب السياق.
قوله جل ذكره: وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ.
وتحريفهم الكلم عن مواضعه نوع عصيان منهم، وإنما حرّفوا لقساوة قلوبهم. وقسوة القلب عقوبة لهم من قبل الله تعالى على ما نقضوه من العهود، ونقض العهد أعظم وزر يلم به العبد، والعقوبة عليه أشد عقوبة يعاقب بها العبد، وقسوة القلب عدم التوجع مما يمتحن به من الصدّ، وعن قريب يمتحن بمحنة الرد بعد الصدّ «١»، وذلك غاية الفراق، ونهاية البعد.
ويقال قسوة القلب أولها فقد الصفوة ثم استيلاء الشهوة ثم جريان الهفوة ثم استحكام القسوة، فإن لم يتفق إقلاع عن هذه الجملة فهو تمام الشقوة.
ومن تحريف الكلم- على بيان الإشارة- حمل الكلم على وجوه من التأويل مما تسوّل لصاحبه نفسه، ولا تشهد له دلائل العلم ولا أصله «٢».
قوله جل ذكره: وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ.
أوّل آفاتهم نسيانهم، وما عصوا ربهم إلا بعد ما نسوا، فالنسيان أول العصيان، والنسيان حاصل من الخذلان.
قوله جل ذكره: وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ.
الخيانة أمرها شديد وهى من الكبار أبعد، وعليهم أشد وأصعب. ومن تعوّد اتباع الشهوات، وأشرب فى قلبه حبّ الخيانة فلا يزال يعيش بذلك الخلق إلى آخر عمره، اللهم إلا أن يجود الحقّ- سبحانه- عليه بجميل اللطف.
قوله جل ذكره: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
قد يكون موجب العفو حقارة قدر المعفو عنه إذ ليس كل أحد أهلا للعقاب. وللصفح
(٢) هذا أصل من أصول التأويل المقبول فى نظر القشيري، وهو في الوقت نفسه يوضح صفة في التفسير الإشارى.
تفسير القشيري
عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري
إبراهيم البسيوني