( فبما نقضهم ) ما زائدة أفاد التفخيم ( ميثاقهم ) حيث كذب النصارى محمدا صلى الله عليه وسلم واليهود إياه وعيسى وغيرهما من الأنبياء ونبذوا كتب الله وضيعوا فرائضه ( لعنهم ) قال عطاء : بعدناهم عن رحمتنا، وقال الحسن ومقاتل : مسخناهم، وقيل : معناه ضربنا عليهم الجزية ( وجعلنا قلوبهم قاسية ) غليظة لا تلين بذكر الله ولا تنفعل بالآيات والنذر من القسوة بمعنى غلظ القلب، وأصله من حجر قاس كذا في الصحاح، وهو المراد بما فسر ابن عباس باليابسة. قرأ حمزة والكسائي قسية بتشديد الياء من غير ألف، قال البغوي : هما لغتان كالزاكية والزكية ومعناهما واحد، وقال البيضاوي : وهي إما مبالغة قاسية أو بمعنى ردية من قولهم درهم قسى إذا كان مغشوشا، قلت : وهو أيضا من القسوة بمعنى الغلظ فإن المغشوش فيه يبس صلاته، وقيل معناه أن قلوبهم ليست بخالصة للإيمان بل إيمانهم مشوب بالكفر والنفاق كالدرهم المغشوش، ( يحرفون الكلم ) يعني كلمات الله التي في التوراة ( عن مواضعه ) قيل : هو تبديل نعت النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل : تحريفهم بسوء التأويل، والجملة مستأنفة لبيان قسوة قلوبهم فإن تحريف كلام الله والافتراء عليه مقتضى كما القسوة، وجاز أن يكون حالا من مفعول لعناهم لا عن القلوب إذ لا ضمير ( ونسوا ) تركوا ( حظا ) نصيبا وافيا ( مما ذكروا به ) في التوراة وعلى لسان الأنبياء من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم أو المعنى تركوا حظهم مما أنزل إليهم لأن حظ أبائهم كان اتباع موسى عليه السلام وحظ هؤلاء الموجودين في زمان النبي صلى الله عليه وسلم كان اتباع محمد صلى الله عليه وسلم فلم ينالوه، ذكر التحريف بلفظ المضارع والنسيان بلفظ الماضي لأن الأول مترتب على الثاني في الوجود، وقيل : معناه أنهم حرفوا فنسوا بشؤم التحريف علوما كانوا يحفظونها مما ذكروا به، روى أحمد بن حنبل في الزهد عن ابن مسعود لأحسب الرجل ينسى العلم كان يعلمها بالخطيئة يعملها وتلا هذه الآية ( ولا تزال ) يا محمد ( تطلع على خائنة ) الخائنة فاعلة بمعنى المصدر كالكاذب واللاعنة يعني على خيانة أو هي بمعناها، والمعنى فرقة خائنة أو نفس خائنة أو فعلة ذات خيانة، أو معناه خائن والهاء للمبالغة ( منهم ) الضمير عائد إلى بني إسرائيل أجمعين الموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأسلافهم والاطلاع أعم منه بالمشاهدة أو بالإخبار، يعني أن الخيانة والغدر من عادتهم وعادة أسلافهم لا تزال ترى ذلك منهم كان أسلافهم يخونون الرسل الماضين وهؤلاء يخونونك وكانت خيانة هؤلاء نقص ما عهدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ومظاهرتهم المشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهمهم بقتله وسمه ونحو ذلك ( إلا قليلا منهم ) لم يخونوا أو هم الصالحون من أمة موسى وعيسى عليهما السلام والذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد مبعثه، وقيل : الاستثناء من قوله وجعلنا قلوبهم قاسية وهذا ليس بسديد لأن جعل قلوبهم قاسية متفرع على نقضهم ميثاقهم ونقض الميثاق يستلزم القساوة البتة ( فاعف عنهم واصفح ) أن أعرض عنهم ولا تتعرض ولا تؤاخذهم بما أذوك، ولا تعامل معهم إلا ما أمرك الله به والعفو عما فعلوا في شأنه صلى الله عليه وسلم، لا ينافي القتال بأمر الله تعالى وقيل : معناه اعف واصفح عنهم إن تابوا أو آمنوا أو عاهدوا أو التزموا الجزية، وقيل : هذا الحكم منسوخ بآية السيف ( إن الله يحب المحسنين ) تعليل للأمر بالصفح وحث عليه وتنبيه على أن العفو عن الكافر الخائن إحسان فضلا عن العفو عن غيره.
التفسير المظهري
المظهري