قوله : فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم الباء سببية وما زائدة، أي : فبسبب نقضهم ميثاقهم : لعناهم أي : طردناهم وأبعدناهم وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً أي : صلبة لا تعي خيراً ولا تعقله. وقرأ حمزة والكسائي «قسِّية » بتشديد الياء من غير ألف، وهي قراءة ابن مسعود والنخعي ويحيى بن وثاب ؛ يقال درهم قسىّ مخفف السين مشدّد الياء : أي زائف، ذكر ذلك أبو عبيد.
وقال الأصمعي وأبو عبيدة : درهم قسىّ كأنه معرب قاس. وقرأ الأعمش «قسية » بتخفيف الياء وقرأ الباقون : قَاسِيَةً يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه الجملة مستأنفة لبيان حالهم أو حالية : أي : يبدّلونه بغيره أو يتأولونه على غير تأويله. وقرأ السلمي والنخعي «الكلام ». قوله : وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ على خَائِنَةٍ مّنْهُمْ أي : لا تزال يا محمد تقف على خائنة منهم، والخائنة : الخيانة ؛ وقيل هو نعت لمحذوف، والتقدير فرقة خائنة، وقد تقع للمبالغة نحو علاّمة ونسّابة إذا أردت المبالغة في وصفه بالخيانة ؛ وقيل خائنة معصية. قوله : إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ استثناء من الضمير في منهم فاعف عَنْهُمْ واصفح قيل : هذا منسوخ بآية السيف ؛ وقيل : خاص بالمعاهدين.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : اثني عَشَرَ نَقِيباً قال : هم من بني إسرائيل بعثهم موسى لينظروا إلى المدينة، فجاءوا بحبة من فاكهتهم، وقر رجل، فقال : اقدروا قوّة قوم وبأسهم وهذه فاكهتهم، فعند ذلك فتنوا فقالوا لا نستطيع القتال فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا وقد ذكر ابن إسحاق أسماء هؤلاء الأسباط، وأسماؤهم مذكورة في السفر الرابع من التوراة، وفيه مخالفة لما ذكره ابن إسحاق. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله : وَعَزَّرْتُمُوهُمْ قال : أعنتموهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله : وَعَزَّرْتُمُوهُمْ قال : نصرتموهم.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم قال : هو ميثاق أخذه الله على أهل التوراة فنقضوه. وأخرج ابن جرير عنه في قوله : يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه يعني حدود الله، يقولون إن أمركم محمد بما أنتم عليه فاقبلوه، وإن خالفكم فاحذروا، وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله : وَنَسُواْ حَظَّا مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ قال : نسوا الكتاب. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله : وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ على خَائِنَةٍ مّنْهُمْ قال : هم يهود مثل الذي هموا به من النبي صلى الله عليه وسلم يوم دخل عليهم حائطهم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله : وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ على خَائِنَةٍ مّنْهُمْ قال : كذب وفجور، وفي قوله : فاعف عَنْهُمْ واصفح قال : لم يؤمر يومئذ بقتالهم، فأمره الله أن يعفو عنهم ويصفح، ثم نسخ ذلك في براءة فقال قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر الآية. وأخرج أبو عبيد وابن جرير، وابن المنذر عن إبراهيم النخعي في قوله : فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضاء إلى يَوْمِ القيامة قال : أغرى بعضهم ببعض بالخصومات والجدال في الدين.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني