ﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ

المعنى الجملي : بعد أن ذكرنا الله بميثاقه الذي واثقنا به على السمع والطاعة لخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم بين لنا في هذه الآيات أخذ الميثاق على اليهود والنصارى وما كان من نقضهم له ومن عقابه لهم على ذلك في الدنيا بضروب الذلة والمسكنة وفي الآخرة بالخزي والعذاب لنعتبر بحالهم ونبتعد أن نكون على مثالهم وليشرح لنا العلة في كفراهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وسبب تصديهم لإيذائه وعداوة أمته وليقيم الحجة عليهم بما تراه من ذكر المحاجة وبيان أنواع كفرهم وضلالهم.
تفسير المفردات :
لعناهم : طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا وقاسية : يابسة غليظة تنبو من قبول الحق والتحريف : إمالة الشيء عن موضعه إلى أي جانب من الجوانب والخائنة : الخيانة
الإيضاح :
ثم بين أنهم لم يوفوا بهذا العهد فجازاهم على سوء صنيعهم فقال :
فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية أي فبسبب نقضهم للميثاق الذي أخذ عليهم – ومن ذلك الإيمان بمن يرسلون من الرسل ونصرهم وتبجيلهم وتعظيمهم – استحقوا مقتنا وغضبنا والبعد من ألطافنا فإن نقض الميثاق أفسد فطرتهم ودنس نفوسهم وقسّى قلوبهم حتى قتلوا الأنبياء بغير حق وافتروا على مريم وأهانوا ولدها الذي أرسل إليهم ولإصلاح ما فسد من عقائدهم وأخلاقهم وحاولوا قتله وافتخروا بذلك – فبكل هذا بعدوا عن رحمة الله إذ جرت سنته أن الأعمال السيئة تؤثر في النفوس آثارا سيئة فتجعل القلوب قاسية لا يؤثر فيها الحجة والموعظة ومن ثم تستحق مقت الله وغضبة والبعد من فضله ورحمته وما مثل هذا إلا مثل من يهمل العناية بنفسه، ولا يراعي القوانين الصحية فهو لا شك يصاب بالأمراض والأسقام، ولا يلومن حينئذ إلا نفسه إذ كان هو السبب في ذلك بإهماله.
يحرفون الكلم عن مواضعه تحريف الكلم عن مواضعه يكون : إما بتحريف الألفاظ بالتقديم والتأخير ة الزيادة والنقصان وإما بتحريف المعاني بحمل الألفاظ على غير ما وضعت له وكل منهما قد وقع في التوراة وغيرهما من كتبهم فإن التوراة التي كتبها موسى وأخذ العهد والميثاق على بني إسرائيل يحفظها كما نص على ذلك في الفصل الحادي والثلاثين من سفر تثنيه الاشتراع قد فقدت باتفاق مؤرخي اليهود والنصارى عند سبي البابليين لليهود ولم يكن عندهم إلا هذه النسخة ولم يكونوا يستظهرونها كما كان المسلمون يستظهرون القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
و هناك أسفار خمسة ينسبونها إلى موسى – فيها خبر كتابته التوراة وأخذه للعهد عليهم بحفظها ولا شك أن هذا ليس منها قطعا وفيها خبر موته وأنه لم يقم بعده أحد مثله إلى ذلك الوقت أي الوقت الذي كتب فيه سفر تثنية الاشتراع وفي هذا أكبر دليل على أن الكاتب كان بعد موسى بردح طويل من الزمن كما أن فيها كثيرا من الكلمات البابلية الدالة على أنها كتبت بعد السبي.
لكل هذا حقق كثير من مؤرخي الفرنجة أن هذه التوراة التي بين أيديهم كتبت بعد موسى ببضعة قرون كتبها عزرا الكاهن بعد ان أذن لنبي إسرائيل بالعودة إلى بلادهم.
ونسوا حظا مما ذكروا روي عن ابن عباس أنه قال : نسوا الكتاب : وعن مجاهد انه قال : نسوا كتاب الله إذ أنزل عليهم ومرادهما أنهم نسوا طائفة من أصل الكتاب الله وقال بعضهم : نسوا الكتاب بترك العمل به.
و في الحق أنهم أضاعوا كتابهم وفقدوه عندما أحرق البابليون هيكلهم وخربوا عاصمتهم وسبوا من بقي منهم حيا فلما عادت إليهم الحرية جمعوا ما كانوا قد حفظوه من التوراة ووعوه وعملوا به
و هذا من أعظم الأدلة على أن القرآن معجزة محمد صلى الله عليه وسلم أثبتها التاريخ بعد بعثة النبي بعدة قرون من موت موسى.
ولا تزال تطلع على خائنة منهم الخائنة بمعنى الخيانة كالقائلة بمعنى القيلولة والخاطئة بمعنى الخطيئة.
أي إنك أيها النبي لا تزال تطلع من هؤلاء اليهود على خيانة إثر خيانة فلا تطمئن أنك أمنت كيدهم بتأمينك إياهم على أنفسهم فهم قوم لا وفاء لهم ولا أمان فمن نقض عهد الله وميثاقه فكيف يرجى منه وفاء ؟ وكيف يطمع منه في أمانة. ؟
إلا قليلا منهم كعبد الله بن سلام وإخوانه ممن أسلموا وصدقوا الله ورسوله فلا تظنن بهم سوءا ولا تخف منهم خيانة ولا خداعا.
فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين أي فاغف عما فرط من هؤلاء القليل واصفح عمن أساء منهم وعاملهم بالإحسان الذي يحبه الله تعالى فأنت أحق الناس باتباع ما يحبه الله ويرضاه و هذا الرأي أبي مسلم وقال غيره : فاعف عن هؤلاء اليهود الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إليك وإلى أصحابك بالقتل واصفح لهم عن جرمهم فإني أحب من أحسن العفو والصفح إلى من أساء إليه إيثارا للإحسان والفضل على ما يقتضيه العدل.
و قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رغب عندما دخل المدينة في مصالحة اليهود وموادعتهم فعقد معهم العهد على ألا يحاربوه ولا يظاهروا من يحاربه ولا يمالئوا عليه عدوا له وأن يكونوا آمنين على أنفسهم وأموالهم وحريتهم وكان إذ ذاك منهم ثلاث طوائف حول المدينة وهم بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة فنقضوا العهد وهموا يقتل النبي صلى الله عليه وسلم فحل له قتالهم ولكنه رجح السلم على الحرب واكتفى بطردهم من من جواره وبعث إليهم '' أن اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني وقد أجلتكم عشرا فمن وجدته بها بعد ذلك ضربت عنقه '' فأقاموا يتجهزون أياما ثم ثبط عزيمتهم عبد الله بن أبي وأرسل إليهم ألا تخافوا إن معي ألفين يدخلون معكم حصنكم فيموتون دونكم وتنصركم قريظة وحلفاؤكم من غطفان وكان رئيسهم المطاع حيي بن أخطب شديد العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي زين لهم قتله والغدر به فركن إلى قول ابن أبي وبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم إنا لن نخرج من المدينة فافعل ما بدا لك.
فعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يريدون الحرب فخرج هو والمسلمون للقائهم يحمل لواءه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فلما وصلوا إليهم أقاموا على حصونهم يرمونهم بالنبل والحجارة ولما اشتد عليهم الحصار ورأوا ألا سبيل لهم إلى المقاومة رضوا بالخروج سالمين وعلموا أن وعد ابن أبي كان هو الغدر والخيانة بعينها وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قادرا حينئذ على استئصالهم والقضاء عليهم ولكنه اختار العفو والإحسان واكتفى بإبعادهم عن المدينة على أن يخرجوا منها وليس معهم إلا أولادهم وما حملت الإبل إلا السلاح ورحلوا إلى خيبر.
و هذه الآية نزلت بعد هذا كله لأنها من آخر ما نزل ولم يعاقب اليهود بعدها على خيانة ولا غدر ولكنه أوصى بإجلائهم عن جزيرة العرب.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير