ﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ

ويقول الحق من بعد ذلك :
فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين( ١٣ ) .
وساعة يقول الحق : " ميثاقا " فالميثاق يتطلب الوفاء، فهل وفوا بهذا الميثاق ؟ لا، لقد نقضوا المواثيق فلعنهم الله واللعن هو الطرد والإبعاد والحق في ذلك يقول : " فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم " أي بسبب نقضهم الميثاق لعنهم الله، لقد أثار وجود " ما " هنا بعض التفسيرات فهناك من العلماء من قال : إنها زائدة، وهناك آخرون قالوا : إنها " صلة " ولكن الزيادة تكون عند البشر لا عند الله، ولا يمكن أن يكون بالقرآن شيء زائد لأن كل كلمة في القرآن جاءت لمقتضى حال يحتم أن تكون في هذا الموضع فها هو ذا الحق يخبرنا بما وصى به لقمان ابنه : واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ( من الآية١٧سورة لقمان ).
وفي آية أخرى يقول سبحانه :{ ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور( ٤٣ )( سورة الشورى ).
في الآية الأولى لم يورد " اللام " لتسبق " من "، وفي الآية الثانية أورد " اللام " لتسبق " من "، وليس ذلك من قبيل التفنن في العبارات، فقوله : " واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور "، دعوة للصبر على مصيبة ليس للإنسان غريم فيها، كالمرض أو موت أحد الأقارب وهذه الدعوة للصبر تأتي هنا كعزاء وتسلية، أما قوله الحق :" " ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور "، فالدعوة للصبر هنا مع الغفران تقتضي وجود غريم يسبب للإنسان كارثة.
هنا يطلب الله من المؤمن أن يغفر لمن أصابه وأن يصبر، ومادام هناك غريم، فالنفس تكون متعلقة بالانتقام وهذا موقف يحتاج إلى جرعة تأكيدية أكثر من الأولى، فليس إلى الموقف الأول غريم واضح يطلب منه الانتقام، أما وجود غريم فهو يحرك في النفس شهوة الانتقام ولذلك يؤكد الحق سبحانه وتعالى :" إن ذلك لمن عزم الأمور "، ويقول سبحانه في موقع آخر : ما جاءنا من بشير ( من الآية١٩سورة المائدة ).
وعندما يقوم النحاة بإعراب " بشير " فهم يقولون : " إنها فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها حركة حرف الجر الزائد، إنه التفاف طويل، ولا يوجد حرف زائد فالإنسان يقول : ما عندي مال وهذا القائل قد يقصد أنه لا يملك إلا القليل من المال لا يعتد به، وعندما يقول الإنسان " ما عندي من مال " ف " من " هنا تعني أنه لا يملك أي مال من بداية ما يقال له مال ولذلك ف " من " هنا ليست زائدة، ولكنها جاءت تعني لمعنى، إذن " ما جاءنا من بشير " أي لم يأت لنا بداية من يقال له بشير.
وها هو ذا قول الحق : فبما رحمة من الله لنت لهم ( من الآية١٥٩سورة آل عمران ).
وقد يحسب البعض أن " ما " هنا حرف زائد، ولكنا نقول : ما الأصل في الاشتقاق ؟ إن الأصل الذي نشتق منه هو المصدر ومرة يأتي المصدر ويراد به الفعل، كقول القائل :" ضربا زيدا " أي " اضرب زيدا " ومجيء المصدر هنا قول مقصود به الفعل وكذلك قوله الحق :" فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ".
مادام النقض مصدرا فمن الممكن أن يقوم مقام الفعل، ومادام المصدر قد قام مقام الفعل فمن الجائز أن يأتي فعل الآخر، فيصبح معنى القول : فبما نقضوا ميثاقهم لعناهم إذن " ما " تدل هنا على أن المصدر قد جاء نيابة عن فعل، وبقيت " ما " لتدل على أن المصدر من الفعل المحذوف، أو أن " ما جاءت استفهامية للتعجب أي فبأي نقض من ألوان وصور نقضهم للعهد لعناهم ؟ وذلك لكثرة ما نقضوا من العهود على صور وألوان شتى من النقض للعهد.
وقوله الحق : " فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم " والنقض هو ضد الإبرام، لأن الإبرام هو إحكام الحكم بالأدلة والنقض هو حل عناصر القضية كأن العهد الموثق الذي أخذه الله عليهم قد نقضوه ونحن نسمي العقيدة الإيمانية عقيدة، لماذا ؟ لأنها مأخوذة من عقد الشيء بحيث لا يطفوا ليناقش من جديد في الذهن، كذلك الميثاق إنه عهد مثبت ومؤكد وعندما ينقضونه فهم يقومون بحله، أي أنهم أخرجوا أنفسهم عن متطلبات ذلك العقد وجاء اللعن لأنهم نقضوا الميثاق.
" وجعلنا قلوبهم قاسية " وهم عندما نقضوا المواثيق، طبع الله على قلوبهم لأنه لم يطبع على قلوبهم بداية، فقد كفروا أولا، وبعد ذلك تركهم الله في غيهم وضلالهم وطبع على القلوب فما فيها من كفر لا يخرج والخارج عنها لا يدخل إليها، و " قاسية " تعني صلبة وفيها شدة، والصلابة مذمومة في القلوب وليست مذمومة في الدفاع عن الحق، لأننا نقيس كل موجود على مهمته فعندما يكون كل موجود على مهمته يكون كل الكون جميلا، مثال ذلك : نحن لا نقول عن الخطاف ذما فيه إنه أعوج فالخطاف لا بد له من العوج، لأن ذلك العوج مناسب لمهمته، إذن فعوج الخطاف استقامة له، وكذلك القسوة غير مذمومة شريطة أن تكون في محلها، أما إن جاءت في غير محلها فهي مذمومة، إن القلوب القاسية مذمومة لأن الحق يريد للقلوب أن تكون لينة : ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ( من الآية٢٣سورة الزمر ).
والقسوة مأخوذة من القسي وهو الصلب الشديد، ونعرف أن الدنانير كانت تضرب من الذهب والدراهم تضرب من الفضة، وعندما يفحصها الصيرفي قد يخرج واحد منها ويقول : هذا زيف أو زائف لأنه قد سمع رنينها، أهي صلبة في الواقع أم لا ؟ وعندما تكون صلبة يقال لها : دراهم قاسية.
إن الذهب لين والفضة لينة فعندما نقول : إن الذهب عيار أربعة وعشرين أي ذهب ليس به نسبة من المواد الأخرى التي تجعله قابلا للتشكيل لأنه عندما يكون ذهبا صافيا على إطلاقه فلن يستطيع الصائغ أن يصوغ منه الحلي، لذلك يخلطه الصائغ بمعدن صلب حتى يعطيه المعدن درجة الصلابة التي تتيح له تشكيل الحل منه وتختلف نسبة الصلابة من عيار إلى عيار في الذهب وكذلك الفضة، والمصوغات المصنوعة من عيار مرتفع من الذهب ليست عرضة للتداول كالسبائك الذهبية.
وإذا ما دخل المعدن الصلب إلى الذهب أو الفضة جعلها قاسية، أي صلبة. الصلابة إذن فيما يناسبها محمودة وفيما لا يناسبها مذمومة كصلابة القلوب وقسوتها.
ويقول الحق : " يحرفون الكلم عن مواضعه " مثل ذلك نقلهم أمر الله الذي طلب منهم أن يقولوا : " حطة " فقالوا : " حنطة " ونسوا حظا مما ذكروا به " وكانت وسائل النسخ في الكتب التي سبقت القرآن هي نسيان حظ مما ذكروا به، والنسيان قد يكون عدم قدرة على الاستيعاب لكنه أيضا دليل على أن المنهج لم يكن على بالهم فلو كانت كتب المنهج على بالهم لظلوا على ذكر منه، كما أنهم كتموا ما لم ينسوه، والذي لم ينسوه ولم يكتموه حرفوه ولووا ألسنتهم به ويا ليت الأمر اقتصر على ذلك، ولكنهم جاءوا بأشياء وأقاويل وقالوا إنها من عند الله وهي ليست من عند الله.
فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون( ٧٩ ) ( سورة البقرة ).
هي أربعة ألوان من التغيير، النسيان والكتم والتحريف ودس أشياء على أنها من عند الله وهي ليست من عند الله.
ولنا أن نتأمل جمال القول الحكيم : " ونسوا حظا مما ذكروا به " فهم على قدر كبير من السوء بدرجة أنستهم الشيء الذي يأتي لهم بالحظ الكبير، مثل نسيانهم البشارات بمحمد عليه الصلاة والسلام وكتمانها، ولو كانوا قد آمنوا بها، لكان حظهم كبيرا ذلك أنهم نسوا أمرا كان يعطيهم جزاء حسنا، إذن فقد جنوا على أنفسهم لأن الإسلام لن يستفيد لو كانوا مهتدين أو مؤمنين والخسار عليهم هم، ولم يدعهم الله ويتركهم على نسيانهم ليكون لهم بذلك حجة، بل أراد أن يذكرهم بما نسوه وكان مقتضى ذلك أن ينصفوا أنفسهم بأن يعودوا إلى الإيمان لأن الحق ذكرهم بما نسوا ليحققوا لأنفسهم الحظ الجميل، وقد يراد أنهم تركوا ذلك عامدين معرضين عنه مغفلين له عن قصد.
ويقول الحق من بعد ذلك : ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين ( من الآية١٣سورة المائدة ).
أي إن خيانتهم لك يا رسول الله ولأتباعك ولمنهج الله الحق في الأرض ستتوالى ولا أدل على ذلك مما حدث منهم ضد رسلهم أنفسهم مع أنهم من بني جلدتهم ومن عشيرتهم إنهم من بني إسرائيل مثلهم فما بالك بنبي جاء من جنس آخر ليقتحم عليهم سلطتهم الزمنية ؟
إذن فخيانتهم لله متصورة و " خائنة " بمعنى " خيانة " مثلها مثل " قائلة " وهي القيلولة أي المسافة الزمنية بعد الظهر، وفعلها : قال يقيل أي نام وسط النهار أو " خائنة " أي " نفس خائنة " أو " خائنة " مثل امرأة خائنة أو خائنة مبالغة كما نقول : " راو " و " راوية " ونحن نعني رجلا، أو نقول " جماعة خائنة ".
إذن فالكلمة الواحدة هنا مستوعبة لكل مصادر الخيانة منهم، رجل أو امرأة أو جماعة أو كل هؤلاء والذي يتكلم هنا هو رب العالمين ويتكلم للعرب وهم أهل فصاحة إنه أداء لغوي عال.
ومن فرط دقة القرآن وصدقه يأتي الحق بقوله : " إلا قليلا منهم " طبقا لقانون صيانة الاحتمال فحين يخاطب الله رسوله صلى الله عليه وسلم ليبين له موقف اليهود منه، ألا يحتمل أن يوجد قوم من اليهود يغلبهم الفهم العميق فيفكروا في أن يؤمنوا بهذا الرسول، ويهدئوا من شراسة ظنهم به ؟ وقد فكر بعضهم وأعلن الإسلام.
وهؤلاء القوم عندما يسمعون أحكام الله على اليهود أجمعين، ألا يقولون : وما لنا ندخل في هذه الزمرة ونفكر في أن ننطق بالإيمان ؟ فكأن قوله : " إلا قليلا منهم " صان قانون الاحتمال أن يكون إنسان منهم فكر في الإيمان ومن فكر في الإيمان فسوف يجد قوله الحق :" إلا قليلا منهم " وسيرى هذا الإنسان في نفسه أن القرآن دليل نزل على نور وقد كان وأعلن قليل منهم إسلامه، وماذا يكون موقفه صلى الله عليه وسلم بعد أن يخبره الحق : بأنك ستتعرض مستقبلا لخيانتهم ؟ ألا يحرك ذلك نفسية رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عليهم، فإذا فعل اليهود خائنة فلا بد أن ينتقموا منهم، وتطبيقا للقاعدة الأساسية في رد العدوان بأن من يعتدي عليك فاعتد عليه.
لم يشأ الله سبحانه أن يترك الموقف لعواطف البشر مع البشر بل قال : " فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين " والعفو هو كما نقول : فلا عفي على آثاري، أي أن آثارك تكون واضحة على الأرض وتأتي الريح لتمسحها فتعفي على الأثر، والأمر بالعفو أي امسح الأثر لذنب فعلوه والخطيئة التي ارتكبوها عليك أن تعتبرها كأنها لم تحدث ولكن أيظل أثرها باقيا عند رسول الله ؟ فالأمر بالصفح يأتي وهناك فرق بين أن تمحو الخطيئة وتبقى أثرها في نفسك وتظل في حالة من الغيظ والحقد.
والحق هنا يأمر بالعفو أي إزالة أثرها ويأمر بالصفح أي أن تخرج أثر الخطيئة من بالك، لأن الإنسان منا له مراحل المرحلة الأولى بعد أن يرتكب أحدهم ذنبا في حقه، لأن الإنسان منا له مراحل المرحلة الأولى بعد أن يرتكب أحدهم ذنبا في حقه، فلا يقابل العدوان بمثله، وهذا هو العفو والمرحلة الثانية : ألا يترك أثر هذا الذنب يعمل في قلبه بل يأتي الصفح حتى لا ينشغل قلب المؤمن بشيء قد عفا عنه، والمرحلة الثالثة : فرصة مفتوحة لمن يريد أن يتمادى في مرتبة الإحسان وترقي اليقين والإيمان بأن يحسن الإنسان إلى من أساء إليه، وهذه المراحل الثلاث يوضحها قوله الحق :
{ والكاظمين الغيظ والعا

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير