يُنادونهم أي : ينادي المنافقون المؤمنين : ألم نكن معكم في الدنيا ؟ يريدون موافقتهم لهم في الظاهر، قالوا أي : المؤمنون : بلى كنتم معنا في الظاهر ولكنكم فتنتم أنفسَكم أي : محنتموها وأهلكتموها بالنفاق والكفر، وتربصتم بالمؤمنين الدوائر، وارتبتم في أمر الدين وغرتكم الأمانيُّ الفارغة، التي من جملتها أطماعكم في انتكاس الإسلام، أو : طول الأمل وامتداد الأعمار حتى جاء أمرُ الله ؛ الموت، وغرَّكم بالله الكريم الغَرُورُ أي : الشيطان بأنَّ الله غفور كريم لا يعذبكم، أو : بأنه لا بعث ولا حساب.
يوم يقول المنافقون والمنافقات، وهم الذين اعتنوا بتزيين الظواهر، وغفلوا عن البواطن، فصارت خراباً من النور، يقولون في الدنيا : انظُرونا والتفتوا إلينا، نقتبس من نوركم، قيل : ارجعوا وراءكم، إلى دنياكم وحظوظكم، فالتمسوا نوراً، تهكُّماً بهم، فضُرب بينهم بسورٍ معنوي، وهو خرق العوائد، وتخريب الظواهر ؛ إذ لا يقدرون على ارتكابه، له باب ليدخل معهم مَن أراد نورهم، باطن ذلك السور فيه الرحمة، وهي الراحة، والطمأنينة، والبسط، وبهجة المعارف، وظاهره الذي يلي العامة من قِبَلِه العذاب، وهو ما هم فيه من الحرص، والتعب، والجزع، والهلع، والقبض. ينادونهم : ألم نكن معكم في عالم الحس ؟ وهو عالم الأشباح، قالوا : بلى، ولكنكم لم ترتقوا إلى عالم المعاني، وهو عالم الأرواح، الذي هو محل الراحة والهنا والسرور، بل فَتنتم أنفسكم بأشغال الدنيا، واشتغلتم بطلب حظوظها وجاهها، ورئاستها وطيب مأكلها، ومشربها وملبسها، وتربصتم بأهل التوجه الدوائر، أو الرجوع إلى ما أنتم فيه، وارتبتم في وجود خصوصية التربية، وغَرَّتكم الأماني : المطامع الكاذبة، وأنكم تنالون الخصوصية بغير صحبة ولا مجاهدة، وغرّكم طولُ الأمل والتسويف، عن التوبة والتوجُّه، وغرّك بحلمه الغرور، فزيَّن لكم القعود والتخلُّف عن مقامات الرجال، فاليوم، أي : حين ظهرت مقامات الرجال في الدنيا والآخرة، لا يؤخذ منكم فدية في التخلُّص من غم الحجاب، ولا من الذين كفروا، مأواكم نار القطيعة، هي مولاكم ومنسحبة عليكم، وبئس المصير.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي