تمهيد :
تصف الآيات مشهدا من مشاهد القيامة، فالمؤمنون يجدون أمامهم نور الأعمال الصالحة، ووجوههم مشرقة كالقمر، ويتحرك النور أمامهم، ومن جهة أيمانهم، وتبشّرهم الملائكة بالجنة وأنهارها ونعيمها، والخلود فيها، والفوز برضوان الله تعالى.
أما المنافقون فلا يجدون نورا، وهم في ظلام دامس مطبق عليهم، وهم في ظلمات بعضها فوق بعض، ثم يمرّ المؤمنون عليهم والنور يسير أمامهم، فيقول المنافقون للمؤمنين : انظروا إلينا حتى نهتدي بنوركم ونسير فيه إلى الجنة، فيقول المؤمنون للمنافقين : ارجعوا إلى الدنيا، فإنّ العمل الصالح في الدنيا هو سبب النور اليوم، وهو تهكم بهم، فإنهم لا يستطيعون الرجوع إلى الدنيا، كما لا يعود اللبن إلى الضرع.
ثم يوضع حائط بين أهل الجنة وأهل النار، من جهة أهل الجنة رحمة ونعمة، ومن جهة المنافقين عذاب وشدة، وهنا يبدأ حوار بين المنافقين والمؤمنين، فيقول المنافقون للمؤمنين : ألم نكن معكم في الدنيا، في الصلاة والجهاد وغير ذلك ؟ فيقول المؤمنون : كنتم معنا بأجسامكم، ولم تكونوا معنا بقلوبكم، حيث غرّتكم المظاهر والشهوات، وغرّكم الشيطان، وزين لكم الكفر والنفاق، والشك في دين الإسلام، حتى جاءكم الموت وأنتم على النفاق والكفر، فاليوم لا يقبل منكم فدية كما كان في الدنيا، ولا مأوى لكم إلا النار وبئس المصير.
المفردات :
بلى : حرف جواب، يأتي جوابا لاستفهام منفى، كما في الآية، أو ردّا لنفي نحو : إنك لم تكن معي أمس، فتقول : بلى قد كنت معك.
فتنتم أنفسكم : الفتن : إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته، واستعمل في إدخال الإنسان النار، أي : أهلكتم أنفسكم بالمعاصي والشهوات.
تربصتم : انتظرتم بالمؤمنين مصائب الزمان
وارتبتم : شككتم في أمر البعث وفي أمر الدين.
الأماني : الأباطيل من طول الآمال، والطمع في انتكاس الإسلام.
الغرور : الشيطان.
التفسير :
١٤- يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ .
ينادي المنافقون على المؤمنين قائلين لهم : ألم نكن معكم في الدنيا نصلي معكم الجمع والجماعات، ونقف معكم على جبل عرفات، ونقاتل معكم في الغزوات، ونصلي كما تصلّّّّون، ونصوم كما تصومون، ونسير معكم فيما تفعلون ؟
قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ....
أي : قال لهم المسلمون : نعم كنتم معنا في الظّاهر، ولكنكم أهلكتم أنفسكم بالنفاق والخداع، والاستكثار من متعة الدنيا وزينتها، فعرّضتم أنفسكم للنار.
وتربّصتم : انتظرتم بالمؤمنين الدوائر، وظننتم أن أمر الإسلام إلى زوال.
وارتبتم : شككتم في أمر الدّين، ولم يتمكن الإيمان في قلوبكم.
وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ : خدعتكم الأباطيل والأماني الكاذبة، بسعة رحمة الله لأمثالكم.
حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ : حتى فاجأكم الموت وأنتم على باطنكم.
وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ : خدعكم الشيطان عن أنفسكم، وزين لكم التمرد والمعاصي والابتعاد عن الإسلام وتبعاته.
قال المفسرون : الغرور( بفتح الغين ) الشيطان، لأنه يغرّ ويخدع الإنسان.
قال تعالى : فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا... ( فاطر : ٥-٦ ).
تفسير القرآن الكريم
شحاته