ﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜ

وَجَعَلَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وَالتَّقْدِيرُ: أَنْتُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. وَنَظْمُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَدْعَى لِإِسْمَاعِهِمْ، وَبِهَذَا التَّقْدِيرِ يُسْتَغْنَى عَنْ سُؤَالِ «الْكَشَّافِ» عَنْ صِحَّةِ تَرَتُّبِ عَدَمِ الْإِيمَانِ عَلَى خُسْرَانِ أَنْفُسِهِمْ مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْعَكْسِ.
وَقِيلَ: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ مُبْتَدَأٌ، وَجُمْلَةُ: فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ خَبَرُهُ، وَقَرَنَ بِالْفَاءِ لِأَنَّ الْمَوْصُولَ تَضَمَّنَ مَعْنَى الشَّرْطِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ [النِّسَاء: ١٥]. وأشرب الْمَوْصُول مَعْنَى الشَّرْطِ لِيُفِيدَ شُمُولُهُ كُلَّ مَنِ اتَّصَفَ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ، وَيُفِيدُ تَعْلِيقَ حُصُولِ مَضْمُونِ جُمْلَةِ الْخَبَرِ الْمُنَزَّلِ مَنْزِلَةَ جَوَابِ الشَّرْطِ عَلَى حُصُولِ مَضْمُونِ الصِّلَةِ الْمُنَزَّلَةِ مَنْزِلَةَ جُمْلَةِ الشَّرْطِ، فَيُفِيدُ أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَمِرُّ الِارْتِبَاطِ وَالتَّعْلِيلِ فِي جَمِيعِ أَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلِ الَّتِي يَتَحَقَّقُ فِيهَا مَعْنَى الصِّلَةِ.
فَقَدْ حَصَلَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنَ الْخُصُوصِيَّاتِ الْبَلَاغِيَّةِ مَا لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي غَيْرِ الْكَلَامِ الْمُعْجِزِ.
وَمَعْنَى: خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أَضَاعُوهَا كَمَا يُضِيعُ التَّاجِرُ رَأْسَ مَالِهِ، فَالْخُسْرَانُ مُسْتَعَارٌ لِإِضَاعَةِ مَا شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ سَبَبَ نَفْعٍ. فَمَعْنَى خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ عَدِمُوا فَائِدَةَ الِانْتِفَاعِ بِمَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَهُوَ الْعَقْلُ وَالتَّفْكِيرُ، فَإِنَّهُ حَرَكَةُ النَّفْسِ فِي الْمَعْقُولَاتِ لِمَعْرِفَةِ حَقَائِقِ الْأُمُورِ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا أَعْرَضُوا عَنِ التَّدَبُّرِ فِي صِدْقِ الرَّسُولِ- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فَقَدْ أَضَاعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ أَنْفَعَ سَبَبٍ لِلْفَوْزِ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ أَنْ لَا يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَالرَّسُولِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. فَعَدَمُ الْإِيمَانِ مُسَبَّبٌ عَنْ حِرْمَانِهِمُ الِانْتِفَاعَ بِأَفْضَلِ نَافِع. ويتسبّب عَن عَدَمِ الْإِيمَانِ خُسْرَانٌ آخَرُ، وَهُوَ خُسْرَانُ الْفَوْزِ فِي الدُّنْيَا بِالسَّلَامَةِ مِنَ الْعَذَابِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ يُقَالُ لَهُ خُسْرَانٌ وَلَا يُقَالُ لَهُ خُسْرَانُ الْأَنْفُسِ. وَقَدْ أَشَارَ إِلَى الْخَسْرَانَيْنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ
[هود: ٢١، ٢٢].
[١٣]
[سُورَة الْأَنْعَام (٦) : آيَة ١٣]
وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣)
جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلَى لِلَّهِ مِنْ قَوْلِهِ: قُلْ لِلَّهِ [الْأَنْعَام: ١٢] الَّذِي هُوَ فِي تَقْدِيرِ الْجُمْلَةِ، أَيْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لِلَّهِ، وَلَهُ مَا سَكَنَ.

صفحة رقم 154

وَالسُّكُونُ اسْتِقْرَارُ الْجِسْمِ فِي مَكَانٍ، أَيْ حَيِّزٍ لَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ مُدَّةً، فَهُوَ ضِدُّ الْحَرَكَةِ، وَهُوَ مِنْ أَسْبَابِ الِاخْتِفَاءِ، لِأَنَّ الْمُخْتَفِيَ يَسْكُنُ وَلَا يَنْتَشِرُ. وَالْأَحْسَنُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ هُنَا كِنَايَةً عَنِ الْخَفَاءِ مَعَ إِرَادَةِ الْمَعْنَى الصَّرِيحِ. وَوَجْهُ كَوْنِهِ كِنَايَةً أَنَّ الْكَلَامَ مَسُوقٌ لِلتَّذْكِيرِ بِعِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ وَمُحَاسِبُكُمْ عَلَيْهَا يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى - إِلَى أَنْ قَالَ- وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ [الرَّعْد: ٨- ١٠]. فَالَّذِي سكن بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارَ بَعْضُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَلَمَّا أَعْلَمَهُمْ بِأَنَّهُ يَمْلِكُ مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْضِ عَطَفَ عَلَيْهِ الْإِعْلَامَ بِأَنَّهُ يَمْلِكُ مَا سَكَنَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ بِحَيْثُ يُغْفِلُ عَنْ شُمُولِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِيَّاهُ، لِأَنَّ الْمُتَعَارَفَ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا أَخْبَرُوا عَنْ أَشْيَاءَ بِحُكْمِ أَنْ يُرِيدُوا الْأَشْيَاءَ الْمَعْرُوفَةَ الْمُتَدَاوَلَةَ. فَهَذَا مِنْ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ لِتَقْرِيرِ عُمُومِ الْمُلْكِ لِلَّهِ تَعَالَى بِأَنَّ مُلْكَهُ شَمِلَ الظَّاهِرَاتِ وَالْخَفِيَّاتِ، فَفِي هَذَا اسْتِدْعَاءٌ لِيُوَجِّهُوا النَّظَرَ الْعَقْلِيَّ فِي الْمَوْجُودَاتِ الْخَفِيَّةِ وَمَا فِي إِخْفَائِهَا مِنْ دَلَالَةٍ عَلَى سَعَةِ الْقُدْرَةِ وَتَصَرُّفَاتِ الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ.
وفِي لِلظَّرْفِيَّةِ الزَّمَانِيَّةِ، وَهِيَ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، لِأَنَّ فِعْلَ السُّكُونِ لَا يَتَعَدَّى إِلَى الزَّمَانِ تَعْدِيَةَ الظَّرْفِ اللَّغْوِ كَمَا يَتَعَدَّى إِلَى الْمَكَانِ لَوْ كَانَ بِمَعْنَى حَلَّ وَاسْتَقَرَّ وَهُوَ مَا لَا يُنَاسِبُ حَمْلَ مَعْنَى الْآيَةِ عَلَيْهِ. وَالْكَلَامُ تَمْهِيدٌ لِسَعَةِ الْعِلْمِ، لِأَنَّ شَأْنَ الْمَالِكِ أَنْ يَعْلَمَ مَمْلُوكَاتِهِ.
وَتَخْصِيصُ اللَّيْلِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ السَّاكِنَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَزْدَادُ خَفَاءً، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ [الْأَنْعَام: ٥٩]. وَعَطَفَ النَّهَارَ عَلَيْهِ لِقَصْدِ زِيَادَةِ الشُّمُولِ، لِأَنَّ اللَّيْلَ لَمَّا كَانَ مَظِنَّةَ الِاخْتِفَاءِ فِيهِ قَدْ يُظَنُّ أَنَّ الْعَالِمَ يَقْصِدُ الِاطِّلَاعَ عَلَى السَّاكِنَاتِ فِيهِ بِأَهَمِّيَّةٍ وَلَا يَقْصِدُ إِلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى السَّاكِنَاتِ فِي النَّهَارِ، فَذَكَرَ النَّهَارَ لِتَحْقِيقِ تَمَامِ الْإِحَاطَةِ بِالْمَعْلُومَاتِ.
وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْحَصْرِ، وَهُوَ حَصْرُ السَّاكِنَاتِ فِي كَوْنِهَا لَهُ لَا لِغَيْرِهِ، أَيْ فِي كَوْنِ مِلْكِهَا التَّامِّ لَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ [الْأَنْعَام: ١٢].
وَقَدْ جَاءَ قَوْلُهُ: وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ كَالنَّتِيجَةِ لِلْمُقَدِّمَةِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْإِخْبَارِ بِأَنَّ اللَّهَ يَمْلِكُ السَّاكِنَاتِ التَّمْهِيدُ لِإِثْبَاتِ عُمُومِ عِلْمِهِ، وَإِلَّا فَإِنَّ مِلْكَ الْمُتَحَرِّكَاتِ الْمُتَصَرِّفَاتِ

صفحة رقم 155

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية