وَلِلَّهِ تَعَالَى سُنَنٌ فِي الِاهْتِدَاءِ لَا تَتَغَيَّرُ وَلَا تَتَبَدَّلُ، فَلَا يُحْزِنْكَ أَمْرُهُمْ، فَإِنَّ مِنْ سُنَّتِهِ أَنْ يَغْلِبَ حَقُّكَ بَاطِلَهُمْ.
هَذَا مَعْنَى الْآيَةِ الْمُوَافِقِ لِكِتَابِ اللهِ وَمُقْتَضَى صِفَاتِهِ وَسُنَنِهِ فِي خَلْقِهِ الَّتِي أَخْبَرَ بِأَنَّهَا لَا تَبْدِيلَ لَهَا وَلَا تَحْوِيلَ، وَلَيْسَ مَعْنَاهَا أَنَّ مَشِيئَةَ اللهِ تَعَالَى قَدْ تَعَلَّقَتْ بِأَنْ يَقْتُلَ هَؤُلَاءِ أَوْلَادَهُمْ تَعَلُّقًا ابْتِدَائِيًّا بِأَنْ يَكُونَ أَمْرًا خَلْقِيًّا كَدَوَرَانِ الدَّمِ فِي الْبَدَنِ لَا اخْتِيَارَ لَهُمْ فِيهِ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إِلَى تَرْكِهِ، كَيْفَ وَقَدْ وَصَفَهُمْ فِي الْآيَةِ الْآتِيَةِ بِأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَهُ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَقَدْ تَرَكُوا هَذَا السَّفَهَ بِهِدَايَةِ الْإِسْلَامِ، فَلَا حُجَّةَ فِي الْآيَةِ لِلْجَبْرِيَّةِ وَإِنْ لَهَجَ بِهَا خَوَاصُّهُمْ وَعَوَامُّهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا فَهْمٍ.
(وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا) هَذِهِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ أُخْرَى مِنْ أَحْكَامِهِمُ الْمُخْتَرَعَةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى غِوَايَةِ شِرْكِهِمْ. (فَالْأَوَّلُ) أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتَطِعُونَ بَعْضَ أَنْعَامِهِمْ وَأَقْوَاتِهِمْ مِنَ الْحُبُوبِ وَغَيْرِهَا وَيَمْنَعُونَهُ التَّصَرُّفَ فِيهَا إِلَّا فِيمَا يَخُصُّونَهَا لَهُ تَعَبُّدًا وَيَقُولُونَ: (هِيَ حِجْرٌ) وَهُوَ بِالْكَسْرِ بِمَعْنَى الْمَحْجُورِ الْمَمْنُوعِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ، كَالذَّبْحِ بِمَعْنَى الْمَذْبُوحِ وَالطَّحْنِ بِمَعْنَى الْمَطْحُونِ، وَيَجْرِي وَصْفًا لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ وَالْمُفْرَدِ وَالْمُثَنَّى وَالْجَمْعِ ; لِأَنَّ حُكْمَهُ - حُكْمَ الْأَسْمَاءِ - غَيْرُ الصِّفَاتِ، وَأَصْلُهُ مَا أُحِيطَ بِالْحِجَارَةِ وَمِنْهُ حِجْرُ الْكَعْبَةِ وَسُمِّيَ الْعَقْلُ حِجْرًا لِأَنَّهُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِمَّا يَضُرُّ وَيُقَبِّحُ مِنَ الْأَعْمَالِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ: الْحِجْرُ الْحَرَامُ مِمَّا حَرَّمُوا مِنَ الْوَصِيلَةِ وَتَحْرِيمِ مَا حَرَّمُوا انْتَهَى أَيْ وَمَا حَرَّمُوا مِنْ غَيْرِهَا. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: حِجْرٌ أَيِ احْتَجَرُوهَا لِآلِهَتِهِمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: حِجْرٌ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَتَغْلِيظٌ وَتَشْدِيدٌ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ اللهِ. أَيْ وَلِهَذَا قَالَ بِزَعْمِهِمْ. قَالُوا: وَكَانُوا يَحْتَجِرُونَهَا عَنِ النِّسَاءِ وَيَجْعَلُونَهَا لِلرِّجَالِ، وَقَالُوا: إِنْ شِئْنَا جَعَلْنَا لِلْبَنَاتِ فِيهِ نَصِيبًا وَإِنْ شِئْنَا لَمْ نَجْعَلْ. وَهَذَا أَمْرٌ افْتَرَوْهُ عَلَى اللهِ (وَالثَّانِي) أَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا: أَيْ أَنْ تُرْكَبُ. قَالَ السُّدِّيُّ: هِيَ الْبَحِيرَةُ وَالسَّائِبَةُ وَالْحَامِي. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ
(مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (٥: ١٠٣). (وَالثَّالِثُ) أَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا فِي الذَّبْحِ، بَلْ يُهِلُّونَ بِهَا لِآلِهَتِهِمْ وَحْدَهَا. وَعَنْ أَبِي وَائِلٍ: كَانُوا لَا يَحُجُّونَ عَلَيْهَا فَلَا يُلَبُّونَ عَلَى ظُهُورِهَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ مِنْ إِبِلِهِمْ طَائِفَةٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهَا، لَا إِنْ رَكِبُوا وَلَا إِنْ حَلَبُوا وَلَا إِنْ حَمَلُوا وَلَا إِنْ سَحَبُوا وَلَا إِنْ عَمِلُوا شَيْئًا اهـ.
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّهُمْ قَسَّمُوا أَنْعَامَهُمْ هَذَا التَّقْسِيمَ الَّذِي جَعَلُوهُ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ فَنَسَبُوهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى حُكْمًا وَدِيَانَةً (افْتِرَاءً عَلَيْهِ) أَيْ قَالُوهُ أَوْ فَعَلُوهُ مُفْتَرِينَ إِيَّاهُ أَوِ افْتَرَوْهُ افْتِرَاءً
وَاخْتَلَقُوهُ اخْتِلَاقًا وَاللهُ بَرِيءٌ مِنْهُ لَمْ يُشَرِّعْهُ لَهُمْ، وَمَا كَانَ لِغَيْرِ اللهِ أَنْ يُحَلِّلَ أَوْ يُحَرِّمَ عَلَى الْعِبَادِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ كَمَا قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ) (١٠: ٥٩) أَيْ بَلْ أَنْتُمْ تَفْتَرُونَ عَلَيْهِ. وَلَا يَزَالُ بَعْضُ النَّاسِ يُحِلُّونَ وَيُحَرِّمُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى النَّاسِ بِأَهْوَائِهِمْ أَوْ تَقْلِيدِ بَعْضِ الْمُصَنِّفِينَ مِنْ أَوْلِيَائِهِمْ وَالْمُنْتَحِلِينَ لِمَذَاهِبِهِمْ، إِمَّا مُوَقَّتًا بِيَمِينٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ تَنَسُّكِ تَصَوُّفٍ، وَإِمَّا تَحْرِيمًا مُطْلَقًا دَائِمًا، وَهُمْ يَجْهَلُونَ عَلَى ادِّعَائِهِمْ لِلْعِلْمِ وَالدِّينِ، أَنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ بِذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ بَيَّنَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ سُوءَ حَالِهِمْ، وَذُيِّلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِبَيَانِ سُوءِ مَآلِهِمْ. وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) أَيْ سَيُجْزَوْنَ الْجَزَاءَ الشَّدِيدَ الْأَلِيمَ بِسَبَبِ هَذَا الِافْتِرَاءِ الْقَبِيحِ.
(وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ) هَذَا ضَرْبٌ آخَرُ مِنْ أَحْكَامِهِمُ السَّخِيفَةِ فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ، وَهُوَ خَاصٌّ بِمَا فِي بُطُونِ بَعْضِ الْأَنْعَامِ مِنَ اللَّبَنِ وَالْأَجِنَّةِ، رُوِيَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَنْعَامِ هُنَا الْبَحَائِرُ وَحْدَهَا أَوْ هِيَ وَالسَّوَائِبُ، كَانُوا يَجْعَلُونَ لَبَنَهَا لِلذُّكُورِ وَيُحَرِّمُونَهُ عَلَى الْإِنَاثِ، وَكَانَتْ إِذَا وَلَدَتْ ذَكَرًا حَيًّا جَعَلُوهُ خَالِصًا لِلذُّكُورِ لَا تَأْكُلُ مِنْهُ الْإِنَاثُ وَإِذَا كَانَ مَيْتًا اشْتَرَكَ فِيهِ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ، وَإِذَا وَلَدَتْ أُنْثَى تَرَكُوهَا لِأَجْلِ النِّتَاجِ. وَبَعْضُ مُفَسِّرِي السَّلَفِ لَمْ يُقَيِّدُوا هَذِهِ الْأَنْعَامَ بِالْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ، فَيُمْكِنُ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ فِي أَنْعَامٍ أُخْرَى يُعَيِّنُونَهَا بِغَيْرِ وَصْفِ الْبَحِيرَةِ أَيْ مَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ، وَالسَّائِبَةُ الَّتِي تُسَيَّبُ وَتُتْرَكُ لِلْآلِهَةِ فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهَا أَحَدٌ.
وَعَنِ الشَّعْبِيِّ وَعِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْبَحِيرَةَ لَا يَأْكُلُ مِنْ لَبَنِهَا إِلَّا الرِّجَالُ وَإِنْ مَاتَ مِنْهَا شَيْءٌ أَكَلَهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الْآيَةَ فِي شَأْنِ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ لَا فِي نَفْسِهَا فَلَا يَصِحُّ إِدْخَالُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ فِي تَفْسِيرِهَا - قُلْنَا يَصِحُّ ذَلِكَ بَلْ هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ " وَإِنْ تَكُنْ " بِالتَّاءِ " وَمَيْتَةٌ " بِالرَّفْعِ، وَابْنُ كَثِيرٍ: " يَكُنْ " بِالْيَاءِ وَ " مَيْتَةٌ " بِالرَّفْعِ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ " يَكُنْ " بِالْيَاءِ وَ " مَيْتَةً " بِالنَّصْبِ. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَيْسَ فِي قِرَاءَتِهِ إِلَّا تَأْنِيثُ الْفِعْلِ " تَكُنْ " لِتَأْنِيثِ خَبَرِهِ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ فَقَالُوا: إِنَّ فِيهَا حَذْفَ الْخَبَرِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ مَيْتَةٌ - أَوْ - وَإِنْ يَكُنْ هُنَاكَ مَيْتَةٌ، وَتَذْكِيرُ الْفِعْلِ لِأَنَّ الْمَيْتَةَ بِمَعْنَى الْمَيِّتِ، وَهَذَا يُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْأَنْعَامِ نَفْسِهَا وَبِأَجِنَّتِهَا الَّتِي فِي بُطُونِهَا وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا إِذَا جُعِلَتْ " يَكُنْ " بِمَعْنَى يُوجَدُ أَيْ فِعْلًا تَامًّا. وَقَالُوا فِي تَقْدِيرِ قِرَاءَةِ عَاصِمٍ: وَإِنْ تَكُنِ الْمَذْكُورَةُ مَيْتَةً، وَهُوَ يَشْمَلُ تِلْكَ الْأَنْعَامَ وَمَا فِي بُطُونِهَا أَيْضًا. بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ مِثْلَ هَذَا فِي قِرَاءَةِ الْبَاقِينَ، وَلَكِنَّ الَّذِي يَتَبَادَرُ إِلَى ذِهْنِ الْعَرَبِيِّ الْفَصِيحِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً)
تفسير المنار
محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني