ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟ

قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ، حيث فاتهم النعيم، واستوجبوا العذاب المقيم، والمراد بلقاء الله : البعث وما يتبعه. فاستمروا على التكذيب حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة أي : فجأة قالوا يا حسرتنا أي : يا هلكتنا على ما فرطنا أي : قصَّرنا فيها أي : في الحياة الدنيا، أو في الساعة، أي : في شأنها والاستعداد لها، وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ، كناية عن تحمل الذنوب، لأن العادة حمل الأثقال على الظهور، وقيل : أنهم يحملونها حقيقة، وقد رُوِي : أن الكافر يركبه عمله، بعد أن يتمثل له في أقبح صورة، وأن المؤمن يركب عمله، بعد أن يتصور له في أحسن صورة. قال تعالى في شأن الكفار : ألا ساء ما يزرون أي : بئس شيئًا يَزِرُونَهُ ويرتكبونه في الدنيا وزرهم هذا، الذي يتحملونه على ظهورهم يوم القيامة.
وسبب هذا : الركون إلى دار الغرور ونيسان دار الخلود.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : إذا كمل نور العقل حصل لصاحبه التمييز بن الحق والباطل، وبين الضار والنافع، فنظر بعين اعتباره إلى الدنيا، فوجدها ذاهبة فانية، ونظر إلى الآخرة، فرآها مقبلة باقية دائمة، فصدف عن الدنيا مُوليًا، وأعرض عن زهرتها مدبرًا، وأقبل بكليته إلى مولاه، غائبًا عن كل ما سواه، فجعل الموت وما بعده نصب عينيه، وخلف الدنيا وراء ظهره أو تحت قدميه. وفي الحِكم :" لو أشرق نور اليقين في قلبك، لرأيت الآخرة أقرب من أن ترحل إليها، ولرأيت الدنيا، وكسفَةُ الفناء ظاهرة عليها " وقال بعض الحكماء :( لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من طين يبقى، لاختار العاقل ما يبقى على ما يفنى، ولا سيما والأمر بالعكس، الدنيا من طين يفنى ؛ والآخرة من ذهب يبقى ). فلا يختار هذه الدار إلا من لا عقل له أصلاً. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم :" الدُّنيا دَارُ مَن لا دَار لَه، وَمَالُ مَن لا مَالَ لَهُ، لَهَا يَجَمعُ مَن لاَ عَقل لَهُ، وعلَيها يُعَادى مَن لا عِلم عِنده " ١. أو كما قال عليه الصلاة والسلام.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير