على الجواب بالواو في التمني كما تقول ليتك تصير إِلينا ونكرمَكَ، المعنى
لَيتَ مَصِيرَكَ يَقَعُ، وَإِكْرَامَنَا، ويكون المعنى: لَيتَ ردَّنا وقع وأن لا نُكذِّبَ.
أي إِن رُدِدْنا لم نكذبْ.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ: (بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)
أي بل ظهر للذين اتَبَعُوا الغُوَاةَ ما كان الغواةُ يخفون عنهم من أمر
البعث والنشُورِ. لأن المتصِلَ بهذا قولُه عزَّ وجلَّ: (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ).
فأنكروا البعث ليُجرَّئوا عنى المعاصي.
(وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ).
قال بعضهم لَو رُدوا ولم يُعَايِنوا العَذَاب، لعَادُوا، كأنَّه يَذْهب إِلى أنهم
لَم يُشَاهِدوا ما يضطرهم إِلى الارتِدَاع، وهذا - عَلَّهُ - بيّنٌ.
لأن هذا القول منهم بعد أن بُعِثوا وعَلِمُوا أمرَ القِيَامَةِ وَعَايَنُوا النَّارَ، فالمعنى أن أكثر من عايَنَ مِنَ اليَهودِ والمشركين قَدْ عَلِمَ أن أمر اللَّهِ حَق فرَكَنَ إِلى الرفَاهِيةِ، وأن الشيء متأخر عنه إِلى أمدٍ كما فَعَل إِبليس الذي قد شاهد من بَراهين الله ما لا غاية بعده، فأعلم اللَّه عزَّ وجلَّ أنهم لَوْ رُدُّوا لعَادُوا لأنهم قَدْ كَفَرُوا بَعْدَ وُجُوبِ الحُجةِ عَلَيْهم.
وقال بعض المفسرين: إن النبي - ﷺ - سئل فقيل له: ما بال أهْل النار عملوا في عُمْرٍ قصيرٍ بعَمل أهل النار فَخُلِّدُوا في النارِ وأهلُ الجنة عملوا في عمر قصير بعمل أهل الجنَّةِ فخلدوا في الجنَّةِ، فقال: إِن الفريقين كان كل واحدٍ مِنهمَا على أنه لو عاش أبداً عَمِل بذلك العَمَل.
* * *
وقوله: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١)
كل ما جاءَ فُجَاءَة فقد بَغَتَ، يقال قد بَغَتَهُ الأمر يَبْغَتُه بغْتاً وبَغتةً، إذَا أتاه
فُجاءَةً.
قال الشاعر:
ولكنهم ماتوا ولم أخْشَ بغتةً... وأفْظَعُ شيء حين يَفْجَؤكَ البَغْت
وقوله: (يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مافَرطْنَا فِيهَا).
إِن قال قائل: ما معنى دُعَاءِ الحَسْرَةِ، وَهِيَ لاَ تعقل ولا تجيب؟
فالجواب عن ذلك أن العربَ إذا اجْتَهدتْ في الإخْبارِ عنْ عَظِيم تقع فيه
جعلته نداءً، فلفظه لفظ ما ينبَّه، والمنبَّه غَيرُهُ.
مثل قَوله عزَّ وجلَّ: (يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ).
وقوله: (يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ)
وقوله: (يَا وْيلنَا من بعثنا من مَرْقَدِنَا هَذَا)..
فهذا أبلغ من أن تقول: أنا حَسِرٌ عَلَى العباد، وأبلغ من أن تقول: الحسرة علينا في تفريطنا.
قال سيبويه: " إنَّكَ إذا قلت يا عجباه، فكأنك قلت احضُرْ وتعال يا
عجبُ فإنه مِنْ أزمَانِكَ، وتأويل " يا حَسْرتَاهُ " انتَبهُوا على أننا قد خسرنا " وهذا مثله في الكلام في أنك أدْخَلْتَ عليه يا للتنبيه، وأنت تريد الناس قولك: لَا أريَنَّكَ هَهنَا، فلفظُك لفْظُ النَاهِي نفسه، ولكنه لمَا علم أن الِإنسان لا يحتاج أن يلفظ بنهي نَفْسِه دَخل المخَاطَبُ في النَهيِ فصار المعنى: لا تكونَنَّ ههنا،
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل، الزجاج
عبد الجليل عبده شلبي