تفسير المفردات : الساعة في اللغة : الزمن القصير المعين، ثم أطلق على الوقت الذي ينقضي به أجل هذه الحياة ويخرب العالم وما يتبع ذلك من البعث والحساب، سمي بذلك لسرعة الحساب فيه كأنه ساعة، وبغتة : فجأة، يقال بغتة، إذ هجم عليه من غير شعور، والحسرة : الغم على ما فات والندم عليه كأن المتحسر قد انحسر وانكشف عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكب، والتفريط : التقصير ممن قدر على الجد والتشمير، من الفرط وهو السبق ومنه الفارط والفرط : وهو الذي يسبق المسافرين لإعداد الماء لهم، والأوزار جمع وزر بالكسر : وهو الحمل الثقيل، ووزره " بزنة وعده " حمله على ظهره ثم أطلق في الدين على الإثم والذنب كأنه لثقله على صاحبه كالحمل الذي يثقل الظهر.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه في الآيات السالفة إنكارهم في الدنيا للبعث والجزاء ـ بين هنا حالهم في الآخرة يوم يكشف عنهم الغطاء، فيتحسرون ويندمون على تفريطهم السابق وغرورهم بذلك المتاع الزائل، ثم أردفه ذكر حقيقة الدنيا مقابلا بينهما وبين الآخرة وموازنا بين حاليهما لدى المتقين والغاصين.
الإيضاح : قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله أي قد خسر أولئك الكفار الذين كذبوا بما وعد الله به كل ما ربحه وفاز به المؤمنون من ثمرات الإيمان في الدنيا كرضا الله وشكره حين النعمة، والصبر والعزاء وقت المصيبة، ومن ثمرات الإيمان في الآخرة من الحساب اليسير والثواب العظيم، والرضوان الأكبر والنعيم المقيم، بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وما سبب هذا إلا أن إنكار البعث والجزاء يفسد الفطرة البشرية ويفضي إلى الشرور والآثام، فإن الاعتقاد بأن لا حياة بعد هذه الحياة يجعل همّ الكافرين محصورا في الاستمتاع بلذات الدنيا، وشهواتها البدنية والنفسية كالجاه والرياسة والعلو في الأرض ولو بالباطل، ومن كانوا كذلك كانوا شرا من الشياطين يكيد بعضهم لبعض ويفترس بعضهم بعضا لا يصدهم عن الشر إلا العجز ولا تحكم بينهم إلا القوة.
وشاهدنا على ذلك : أن أرقى أهل الأرض في الحضارة والعلوم والفلسفة هم الذين يقوّضون صروح المدينة بمدافعهم ودباباتهم وطياراتهم وبكل ما أوتوا من فن واختراع، ويهلكون الحرث والنسل ويخربون العامر من المدن ودور الصناعات بمنتهى القسوة والشدة، ويهلكون ملايين الأنفس ما بين قتيل وجريح دون أن تستشعر قلوبهم عاطفة رحمة ولا رأفة، ولو كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر وما فيه من الحساب والجزاء لما انتهوا في الطغيان إلى هذا الحد الذي نراه الآن.
حتى إذ جاءتهم الساعة بغتة أي كذبوا إلى أن جاءتهم الساعة مباغتة مفاجئة يوم يقوم الناس لرب العالمين [ المطففين : ٦ ] وقد ورد في الكتاب والسنة أن الله تعالى أخفى علمها على كل أحد حتى الرسل والملائكة.
قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها أي قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وأصروا على هذا التكذيب حتى إذا جاءتهم منيتهم وهي بالنسبة إليهم مبدأ الساعة ومقدمات القيامة، مفاجئة لهم من حيث لم يكونوا ينظرونها ولا يعدون العدة لمجيئها، قالوا يا حسرتنا على تفريطنا في الحياة الدنيا التي كنا نزعم أن لا حياة بعدها.
وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم أي وهم يحملون ذنوبهم وخطاياهم كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وفي ذلك إيمان إلى أن عذابهم ليس مقصورا على الحسرة على ما فات وزال، بل يقاسون مع ذلك تحمل الأوزار الثقال، وإشارة إلى أن تلك الحسرة من الشدة والهول بحيث لا تزول ولا تنسى بما يكابدون من صنوف العقوبات.
روى بن جرير وابن أبي حاتم عن السدي أن الأعمال القبيحة تتمثل بصورة رجل قبيح يحمله صاحبها يوم القيامة والصالحة بصورة رجل حسن يحمله صاحبها يوم القيامة.
والخلاصة : إنهم ينادون الحسرة التي أحاطت بهم أسبابها وهم في أسوأ حال بما يحملون من أوزارهم على ظهروهم.
وقد بين الله تعالى سوء تلك الحال التي تلابسهم حينما يلهجون بذلك المقال فقال :
ألا ساء ما يزرون أي ما أسوأ تلك الأثقال التي يحملونها يوم القيامة على ظهورهم.
تفسير المراغي
المراغي