وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ٢٩ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ٣٠ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون ٣١ وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ٣٢
بين الله تعالى لنا في هذه الآيات شأنا آخر من شؤون الكفار المكذبين بآياته في الدنيا وهو غرورهم بها، وافتتانهم بمتاعها، وإنكارهم البعث والجزاء، وما يقابله من حالهم في الآخرة يوم يكشف الغطاء، وهو ما يكون من حسرتهم وندمهم عل تفريطهم السابق، وافتتانهم بذلك المتاع الزائل، وقفى عليه ببيان حقيقة الدنيا والمقابلة بينها وبين الآخرة.
ثم قفى على ذكر ما ربحوا من الشقاء والعذاب، ببيان ما خسروا من السعادة والثواب- وإنما هو خسر على خسر – فقال : قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله أي خسر أولئك الكفار الذين كذبوا بلقاء الله تعالى كل ما ربحه وفاز به المؤمنون بلقائه من ثمرات الإيمان وعبادة الله ومناجاته في الدنيا كالقناعة والإيثار والرضاء من الله في كل حال، والشكر له عند النعمة، والصبر والعزاء والطمأنينة عند المصيبة، وغير ذلك من المزايا التي تصغر معها المصائب والشدائد، ويكبر قدر النعم والمواهب. ومن ثمرات الإيمان في الآخرة من الحساب اليسير، والثواب الكبير، والرضوان الأكبر، وهو ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر كل ذلك مما يخسره المكذبون بلقاء الله بسبب تكذيبهم، لأنهم يخسرون في الحقيقة أنفسهم، وإنما حذف مفعول « خسر » للدلالة على ذلك كله، وجعل فاعله موصولا لدلالة صلته على سبب الخسران، لأن التكذيب بلقاء الله تعالى يستلزم ما سيأتي بيانه من الأعمال والأحوال التي تفسد النفس، ومن خسر نفسه بفسادها خسر كل شيء.
حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة أي كذبوا إلى أن جاءتهم الساعة مباغتة مفاجئة، وقيل إن الغاية للخسران بقصره على ما كان منه في الدنيا. والساعة في أصل اللغة الزمن القصير المعين بعمل يقع فيه، يقال جلست إليه ساعة وغاب عني ساعة. وأطلق في كتب الدين على الوقت الذي ينقضي به أجل هذه الحياة ويخرب هذا العالم وإنما يكون ذلك في زمن قصير. وعلى ما يلي ذلك من البعث والحساب وهو يوم القيامة، فإن كان إطلاقه عليه بالتبع لإطلاقه على ساعة خراب العالم فذاك، وإلا كان وجه تسميته ساعة باعتبار سرعة الحساب فيه ( راجع ج٢ تفسير ) أو بالإضافة إلى ما بعده – قولان : وهذه الساعة ساعة هذا العالم كله، ومن دونها ساعة كل فرد وقيامته وهو الوقت الذي يموت فيه ويقدم على ذلك العالم، وكذا ساعة الأمة أو الجيل ؛ ولذلك قالوا إن القيامة ثلاث كبرى ووسطى وصغرى، وقد تقدم هذا البحث في الجزء الخامس من التفسير.
وفسر الراغب الساعة هنا بالقيامة الصغرى، إذ هو الذي ينطبق على الكفار الذين نزلت فيهم هذه الآيات والقيامة الكبرى إنما تقوم على آخر من يكون من الخلق على هذه الأرض. والجمهور يفسرونها بالقيامة الكبرى وهي باعتبار غايتها – وهو يوم يقوم الناس لرب العالمين – تصدق على من نزلت الآية فيهم وعلى غيرهم، وباعتبار بدايتها تصدق على آخر من يعيش في الدنيا فقط. ويرون أن البغتة لا تظهر في موت الأفراد لما يكون له في الغالب من المقدمات والعلامات التي يعرف بها وقته في الجملة.
وقد ذكر مجيء الساعة بغتة في عدة آيات غير هذه يتعين أن يكون بها القيامة الكبرى العامة، وهي التي ورد في الكتاب والسنة أن الله تعالى أخفى علمها عن كل أحد حتى الرسل والملائكة. وأما قوله تعالى : وما تدري نفس بأي أرض تموت [ لقمان : ٣٤ ] فلا يدل على مجيء الموت بغتة ولا على جهل كل أحد بوقته فقد يعرف بأسبابه كالأمراض والجروح. وقد يقال إن المرض ونحوه لا يدل على الموت مهما يكن شديدا، فكم من مريض جزم الأطباء بأنه لا يعيش إلا أياما أو ساعات قد شفي من مرضه ذاك وعاش بعده عدة أعوام، على أن المريض لا ييأس من الحياة ما دام فيه رمق، فبهذا الاعتبار يصح أن يقال فيه موت الفجأة، ومن لم يجئه الموت فجأة جاءه المرض الذي يعقبه الموت فجأة ولات حين استعداد، ولا رجوع عن شرك وإلحاد، بل يموت المرء على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه، ويندر أن يظهر لأحد في مرض مماته، ضلاله الذي عاش عليه طول حياته، ولا ينكشف الغطاء عن الإنسان ويعلم أنه فارق هذه الحياة إلى العالم الآخر إلا عند خروج روحه من بدنه، وحينئذ يتحسر المفرطون، ويندم المجرمون، ثم تتجدد الحسرة في موقف الحساب، وتتضاعف عند حلول العذاب.
قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها هذا جواب « إذا » أي قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وأصروا على ذلك حتى إذا جاءتهم منيتهم وهي بالنسبة إليهم مبدأ الساعة العامة، والمرحلة الأولى من مقدمات القيامة، مفاجئة لهم من حيث لم يكونوا ينتظرونها، ولا يحسبون حسابا ولا يعدون عدة لمجيئها، قالوا : يا حسرتنا على تفريطنا ! هذا أوانك فاحضري، وبرحي بالأنفس ما شئت أن تبرحي ؛ والحسرة – كما قال الراغب – الغم على ما فات والندم عليه، كأن المتحسر قد انحسر ( أي زال وانكشف ) عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه، أو انحسرت عنه قواه من فرط الغم، أو أدركه إعياء عن تدارك ما فرط منه. ونداء الحسرة فسره سيبويه بالمعنى الذي بيناه آنفا.
وقال الزجاج : إن معنى حرف النداء تنبيه المخاطبين، وقيل بل المراد به تنبيه المتكلم لنفسه، وتذكيرها بسبب ما حل به. والتفريط التقصير، ممن قدر على الجد والتشمير، وهو من الفرط بمعنى السبق ومنه الفارط والفرط الذي يسبق المسافرين لإعداد الماء لهم. والتضعيف فيه للسلب والإزالة كجلدت البعير إذا سلخت جلده وأزلته عنه. فيكون معنى التفريط الحقيقي عدم الاستعداد لما ينفع في المستقبل كتقديم الفرط. أي يا حسرتنا وغمنا وندمنا على ما كان من تفريطنا فيها أي في حياتنا الدنيا، التي كنا نزعم أن لا حياة لنا بعدها، أو في الساعة أو ما هي مفتاح له من الدار الآخرة وهي تشمل الجنة والنار، وقد جعلها بعضهم مرجعين مستقلين، أي على تفريطنا في شأنها بعدم الاستعداد لها بالإيمان والعمل الصالح، وقيل إن الضمير للأعمال الصالحات المفهومة من كلمة « فرطنا » لإن التقصير إنما يكون في العمل. وقيل للصفقة المفهومة من كلمة « خسر » وهي بيعهم الآخرة بالدنيا. وهذا أضعف الأقوال، وأقواها أولها، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنه.
ومن غرائب غفلات المفسرين ما نقله بعض أذكيائهم عن بعض من دعوى أن مرجع الضمير في هذا القول غير مذكور في كلامهم، على كونه هو المذكور فيه دون سواه من المراجع الثلاثة الأخرى. ولكنهم ذهلوا عن قوله تعالى حكاية عنهم وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا الخ وعن كون ما بعده بيانا لعاقبته وما ترتب عليه لا سياقا جديدا مستقلا، وأما الساعة فهي مذكورة فيما حكاه الله من شأنهم لا عنهم، فكان عود الضمير عليها في المرتبة الثانية من القوة.
وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم الأوزار جمع وزر وهو بالكسر الحمل الثقيل، ووزره ( بوزن وعده ) حمله على ظهره، ويطلق الوزر على الإثم والذنب، لأن ثقله على النفس كثقل الحمل على الظهر، وهو المراد في الآية، وجعل الذنوب محمولة على الظهور مجاز من باب التمثيل بالاستعارة لأن حالة الأنفس فيما تقاسيه من سوء تأثير الذنوب فيها وما يترتب على ذلك من التعب والشقاء والآلام يشبه هيئة الأبدان في حال نوئها بالأحمال الثقيلة وما تقاسيه في ذلك من التعب والجهد والزحير، أو هو محمول على القول بتجسم المعاني والأعمال في الآخرة، وتمثلها هي ومادتها بصور تناسبها في الحسن أو القبح، كما ورد في الغلول والمال الذي لا تؤدي زكاته.
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي وعمرو بن قيس الملائي أن الأعمال القبيحة تتمثل بصورة رجل قبيح يحمله صاحبها يوم القيامة، والصالحة بصورة رجل حسن أو صورة حسنة تحمل صاحبها يوم القيامة، ويجوز أن يكون هذا القول من قبيل التمثيل أيضا. والمعنى أنهم ينادون الحسرة التي أحاطت بهم أسبابها وهم في أسوأ حال بما يحملون من أوزارهم على ظهورهم، وقد بين الله تعالى سوء تلك الحال، التي تلابسهم عند اللهج بذلك المقال، بقوله : ألا ساء ما يزرون ( ٣١ ) فبدء هذه الجملة بألا الافتتاحية التي يراد بها العناية بما بعدها وتوجيه ذهن السامع إليه – يفيد المبالغة في تقريره وتأكيد مضمونه، ووجوب الاهتمام بالاعتبار به، و « ساء » فعل ذم أشرب معنى التعجب أو التعجيب، أي ما أسوأ حملهم ذاك أو ما أسوأ تلك الأثقال التي يحملونها، وقيل إن « ساء » هنا هو الفعل المتعدي أي ساءهم وأحزنهم حملهم لتلك الأوزار، أو ساءتهم تلك الأوزار التي يحملونها. والأول أبلغ.
فإن قيل : فما بالكم تسابقون إلى استذلال الأمم الضعيفة في الشرق، وتسخرونها لمنافعكم وتوفير ثروتكم بغير حق ؟ قالوا : كلا إنما نريد أن نخرجها من ظلمات الهمجية والجهل، لتشاركنا فيما نحن فيه من نور الحضارة والعلم. فإن قيل : فما بالنا نراها لم تنل من علومكم إلا بعض القشور، ولم تستفد من مدينتكم إلا الفسق والفجور ؟ قالوا إنما ذلك لضعف الاستعداد، وما تمكن في نفوس هذه الشعوب من الفساد، على أننا خير لها من حكامها الأولين، بما قمنا به من حفظ الأمن وتوفير أسباب النعيم للعاملين ! ذلك شأنهم لا تقام عليهم حجة، إلا ويقابلونها بشبهة تؤيدها القوة، وقد قوضت الحرب المشتعلة نارها في أوروبا هذه الأعوام، جميع ما بنيت عليه هذه الشبهات من المزاعم والأوهام، إذ رأينا فيها أرقى أهل الأرض في الحضارة والعلوم والفلسفة يخربون بيوتهم بأيديهم، ويقوضون صروح مدينتهم بمدافعهم، ويستعينون بكل ما ارتقوا إليه من العلوم والفنون والصناعات والحكمة والنظام، لإهلاك الحرث والنسل وتخريب العمران، بمنتهى القسوة والشدة، التي لا تشوبها عاطفة رأفة ولا رحمة، ولو كان من بأيديهم أزمة الأمور منهم يؤمنون بالله واليوم الآخر وما فيه من الحساب والجزاء بالحق، لما انتهوا في الطغيان إلى هذا الحد.
نعم إن هذه الشعوب كانت تتقاتل لنصر المذهب أو الدين، في القرون التي كانت تعمل فيها كل شيء باسم الدين، ولكنها لم تصل في التقتيل والتخريب في ذلك الزمان، إلى عشر معشار ما هي عليه الآن، وإن كانوا يسمون هذا العصر عصر النور وتلك العصور بعصور الظلمات، على أن الرؤساء كانوا يتخذون اسم الدين وتأويل نصوصه وسيلة لأهوائهم التي ليست من الدين في شيء، كما يعلم جميع علماء هذا العصر، ومن العجائب أن أقسى أهل هذه الحرب وأشدهم تخريبا وتدميرا هم الذين يزعمون أنهم يحاربون لله وأن الله معهم على أعدائهم. وإنما الحرب الدينية الصحيحة حرب الأنبياء والخلفاء الراشدين، ومن على مقربة من سيرتهم من الملوك الصالحين، ولم يكن يستحل في شيء منها ما يستحل الآن من القسوة والتخريب. وقد فصلنا في المنار القول في المقابلة بين هذه الحرب المدنية، وحروب المسلمين الدينية، التي كانت دفاعا عن النفس، وتقريرا للحق والعدل، والمساواة في الحقوق بين أصناف الخلق، يسيرون فيها على القواعد الشرعية العادلة في الضرورات ككونها تبيح ما ضرره دون ضررها، وكونها تقدر بقدرها، وتراعى فيها الرحمة، لا العدل وحده، وقد شهد بذلك لسلفنا أعلم حكماء الإفرنج بتاريخنا [ غوستاف لوبون ] فقال كلمة حق حقيقة بأن تكتب بماء الذهب، وهي :« ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب».
وجملة القول إن شبهات المفتونين بالمدنية المادية قد دحضت بهذه الحرب الساحقة وقويت بها حجة أهل الدين عليهم، بل تنبه بها الشعور الديني في الجم الغفير من الأوروبيين حتى الفرنسيس منهم، بعد أن كانوا قد نبذوه وراء ظهورهم، وآثروا عليه الشهوات البدنية الحقيرة، حتى ضاقت بهم المعابد التي كانت مهجورة، قلما تفتح أبوابها وقلما يلم بها أحدا إن فتحت. وذلك شأن المسرفين في أمرهم من الناس، لا يتوجهون إلى خالقهم إلا عند الشدة والبأس، وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما، فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون [ يونس : ١٢ ].
تفسير المنار
رشيد رضا