تفسير المفردات : كلمات الله : هي وعده ووعيده، ومن ذلك وعده للرسل بالنصر ووعيده لأعدائهم بالغلب والخذلان كقوله : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي [ المجادلة : ٢١ ] وقوله : ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين١٧١ إنهم لهم المنصورون١٧٢ وإن جندنا لهم الغالبون [ الصافات : ١٧١ ١٧٣ ] والنبأ : الخبر ذو الشأن العظيم.
المعنى الجملي : نزلت هذه السورة في دعوة مشركي مكة إلى الإسلام ومحاجتهم في التوحيد والنبوة والبعث، وكثر فيها حكاية أقوالهم بلفظ ( وقالوا ـ وقالوا ) نحو : وقالوا لولا أنزل عليه ملك [ الأنعام : ٨ ]، وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا [ الأنعام : ٢٩ ] إلى نحو ذلك ـ وتلقين الرسول صلى الله عليه وسلم الرد عليهم مع إقامة الحجة والبرهان بلفظ ( قل ـ قل ) نحو : قل لمن ما في السماوات والأرض [ الأنعام : ١٢ ]، قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض [ الأنعام : ١٤ ].
بعد هذا الحجاج كله : ذكر في هذه الآيات تأثير كفرهم في نفسي النبي صلى الله عليه سلم وحزنه مما يقولون في نبوته وما يراه منهم من الإعراض عن دعوته، وسلاه عن ذلك ببيان سنته سبحانه في الرسل مع أقوامهم، وأن كثيرا منهم كذبوا فصبروا حتى جاءهم النصر المبين، وخذل الله أعداءهم الكافرين.
روى ابن جرير عن السدي أن الأخنس بن شريق وأبا جهل التقيا، فقال الأخنس لأبي جهل : يا أبا الحكم أخبرني عن محمد : أصادق أم كاذب ؟ فإنه ليس ها هنا أحد يسمع كلامك غيري، قال أبو جهل : والله إن محمد لصادق وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش ؟ فأنزل الله هذه الآية.
ثم لفت نظر رسوله لأن يقتدي بالرسل قبله على التكذيب فقال : ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا .
الإيضاح : ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا أي إن الرسل الذين أرسلوا قبلك، قد كذبتهم أقوامهم فصبروا على تكذيبهم وإيذائهم لهم إلى أن نصر الله الرسل بالانتقام من أعدائهم المكذبين لهم.
ونظير هذه الآية قوله : وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك ؛ [ فاطر : ٤ ] وقوله :{ وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح... [ الحج ٤٢ ] الآية.
وفي الآية تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم بعد تسلية، وإرشاد إلى سننه تعالى في الرسل والأمم، وقد صرح بوجوب الصبر على هذا الإيذاء في قوله : فاصبروا كما صبر أولوا العزم من الرسل [ الأحقاف : ٣٥ ] وقوله : واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا [ المزمل : ١٠ ]. وقد دلت التجارب على أن التأسي يهون المصاب ويفيد شيئا من السلوى، ومن هذا تعلم حكمة تكرار التسلية بأمثال هذه الآية مع الأمر بالصبر المرة بعد المرة، لأن الحزن والأسف اللذين كانا يعرضان له صلى الله عليه سلم من شأنهما أن يتكررا بتكرر سببهما وبتذكره.
وفي الآية بشارة للرسول صلى الله عليه وسلم مؤكدة للتسلية بأن الله سينصره على المكذبين الظالمين من قومه، وعلى من يكذبه من أمة الدعوة، كما أن فيها إيماء إلى حسن عاقبة الصبر، فمن كان أصبر كان حقيقا بالنصر إذا تساوت بين الخصمين وسائل الغلب والقهر.
ثم أكد هذا النصر بقوله :
ولا مبدل لكلمات الله أي إن ذلك النصر قد سبقت به كلمة الله، في مثل قوله : ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين١٧١ إنهم لهم المنصورون ١٧٢وإن جندنا لهم الغالبون [ الصافات : ١٧١ ١٧٣ ] وكلمات الله لا يمكن أن يبذلها مبدل، فنصر الرسل حتم لا بد منه، والتبديل : جعل شيء بدلا من شيء آخر.
وتبديل الكلمات والأقوال نوعان :
( ١ ) تبديل ذاتها بجعل قول مكان قول وكلمة مكان أخرى، ومن هذا قوله تعالى : فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم [ البقرة : ٥٩ ].
( ٢ ) تبديل مدلولها ومضمونها كمنع نفاذ الوعد والوعيد أو وقوعه على خلاف القول الذي سبق.
ثم أكد سبحانه عدم التبديل بقوله :
ولقد جاءك من نبإ المرسلين أي ولقد جاءك ذلك الذي أشير إليه من خبر التكذيب والصبر والنصر من نبأ المرسلين الذي قصصناه عليك من قبل، فقد روي أن سورة الأنعام نزلت بين سور الشعراء والنمل والقصص وهود والحجر المشتملة على نبأ المرسلين بالتفصيل.
وكما وعد الله رسله بالنصر وعد المؤمنين به نحو قوله : إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد [ غافر : ٥١ ] وفي قوله : وكان حقا علينا نصر المؤمنين [ الروم : ٤٧ ].
فما بالنا نرى كثيرا ممن يدعون الإيمان في هذا الزمان غير منصورين، فلا بد إذا من أن يكونوا في إيمانهم غير صادقين، ولأهوائهم متبعين، ولسنته في أسباب النصر جاهلين، فالله لا يخلف وعده، ولا يبطل سننه، بل ينصر المؤمن الصادق الذي يتحرى الحق والعدل في حربه لا الظالم الباغي من خلقه، والذي يقصد إعلاء كلمة الله ونصر دينه كما جاء في قوله : ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز [ الحج : ٤٠ ] وقوله : يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم [ محمد : ٧ ].
تفسير المراغي
المراغي