قوله : وَلَقَدْ كُذّبَتْ رُسُل مّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ على مَا كُذّبُواْ وَأُوذُواْ حتى أتاهم نَصْرُنَا هذا من جملة التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي أن هذا الذي وقع من هؤلاء إليك ليس هو بأوّل ما صنعه الكفار مع من أرسله الله إليهم، بل قد وقع التكذيب لكثير من الرسل المرسلين من قبلك، فاقتد بهم ولا تحزن واصبر كما صبروا على ما كذبوا به، وأوذوا، حتى يأتيك نصرنا كما أتاهم فإنا لا نخلف الميعاد و لِكُلّ أَجَلٍ كِتَاب إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون كَتَبَ الله لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي وَلاَ مُبَدّلَ لكلمات الله بل وعده كائن، وأنت منصور على المكذبين، ظاهر عليهم. وقد كان ذلك ولله الحمد. وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ المرسلين ما جاءك من تجرّي قومهم عليهم في الابتداء، وتكذيبهم لهم، ثم نصرهم عليهم في الانتهاء، وأنت ستكون عاقبة هؤلاء المكذبين لك كعاقبة المكذبين للرسل، فيرجعون إليك ويدخلون في الدين الذي تدعوهم إليه طوعاً أو كرهاً.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني وأبو الشيخ، وابن مردويه، والخطيب بسند صحيح، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم في قوله : يا حسرتنا قال :«الحسرة أن يرى أهل النار منازلهم من الجنة، فتلك الحسرة». وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله : أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ قال : ما يعملون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : لَعِب وَلَهْو قال : كل لعب : لهو. وأخرج الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والحاكم وصححه، والضياء في المختارة، عن عليّ بن أبي طالب، قال : قال أبو جهل للنبيّ صلى الله عليه وسلم : إنا لا نكذّبك ولكن نكذّب بما جئت به، فأنزل الله : فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُون . وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي يزيد المدني، أن أبا جهل قال : والله إني لأعلم أنه صادق، ولكن متى كنا تبعاً لبني عبد مناف ؟. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، عن أبي ميسرة، نحو رواية عليّ بن أبي طالب. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله : ولكن الظالمين بآيات الله يَجْحَدُونَ قال : يعلمون أنك رسول الله ويجحدون.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله : وَلَقَدْ كُذّبَتْ رُسُل مّن قَبْلِكَ قال : يعزّي نبيه صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس قال : فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِىَ نَفَقاً فِي الأرض والنفق : السرب، فتذهب فيه فتأتيهم بآية، أو تجعل لهم سلماً في السماء فتصعد عليه فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَة أفضل مما أتيناهم به، فافعل وَلَوْ شَاء الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى يقول سبحانه : لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله : نَفَقاً فِي الأرض قال : سرباً أَوْ سُلَّماً فِي السماء قال : يعني الدرج. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن في قوله : إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ قال : المؤمنون والموتى قال : الكفار. وأخرج هؤلاء عن مجاهد مثله.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني