ﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹ

ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبئي المرسلين [ الأنعام : الآية ٣٤ ].
هذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتهوين عليه ؛ لأنك إذا وجدت إنسانا وقع في مصيبة وبلية وقلت له : هذه المصيبة التي نزلت بك قد نزلت بإخوان لك كرام أفاضل، وصبروا عليها، وكان لهم في عاقبة الأمر الظفر والنجاح، والعاقبة المحمودة ؛ فإن هذا يهون ويسهل المصيبة على ذلك المبتلي. وقد نص الله في أخريات سورة هود على أنه يقص على النبي أخبار الرسل ؛ ليهون عليه ويثبت قلبه، وذلك في قوله : وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك [ هود : آية ١٢٠ ] يقول له : ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك [ فصلت : آية ٤٣ ] هذا الذي لقيك به قومك لقي الرسل من قبل قومهم بمثله وأشد، فاصبر كما صبروا، فستكون لك العاقبة الحميدة كما كانت لهم. وفي هذا أعظم بشارة وأكرم تسلية له صلى الله عليه وسلم. واللام في ( لقد ) موطئة قسم محذوف. والله لقد كذبت رسل من قبلك، هؤلاء الرسل الذين كذبوا من قبلك منهم من جاء مفصلا في هذا القرآن العظيم، كقول قوم نوح لنوح : ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا [ هود : آية ٢٧ ] وقولهم له : يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين [ هود : آية ٣٢ ]، وقد سخروا منه كما قال : إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم [ هود : آية ٣٨ ]، والمفسرون يقولون : سخريتهم منه التي ذكرها الله أنه لما أراد أن يصنع السفينة [ وتعلم ] النجارة صاروا يضحكون، ويقولون : بعد أن كنت نبيا صرت [ نجارا، وهكذا عاد قالوا لهود، وثمود ] قالوا لصالح ! ! قالوا لنبي الله هود : يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي ءالهتنا عن قولك [ هود : آية ٥٣ ]، وقالوا لصالح : يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا [ هود : آية ٦٢ ] يعني : وأما إذا ادعيت النبوة، ودعوت إلى عبادة الله فلا رجاء لنا فيك. وهذا جاء مفصلا عن الرسل في القرآن العظيم، كتكذيبهم لنوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وتكذيب فرعون وقومه لموسى وهارون، وما جرى مجرى ذلك، وهنالك رسل لم تقص عليه أخبارهم، كما نص الله عليه في سورة النساء، وفي سورة المؤمن : منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك [ غافر : آية ٧٨ ].
وإنما قال : كذبت رسل بتاء التأنيث لما تقرر في علم العربية : إن ثلاثة من الجموع – أعني الجمع المكسر مذكرا كان أو مؤنثا، والجمع السالم المؤنث، كلها تجري مجرى الواحدة المؤنثة مجازية التأنيث ؛ ولذلك أنث الفعل هنا وقيل فيه : كذبت وأنثت الإشارة إليه لهذا كما قال : تلك الرسل [ البقرة : آية ١٥٣ ] ونحو ذلك ولقد كذبت رسل من قبلك حذف الفاعل هنا وأناب المفعول به منابه ؛ لأنه يوضحه. أي كذبهم قومهم فصبروا على ذلك التكذيب والأذى.
فصبروا على ما كذبوا ( ما ) هنا مصدرية. فصبروا على التكذيب.
وقوله : وأوذوا فيما يعطف عليه وجهان : أظهرهما أنه معطوف على : فصبروا على ما كذبوا أي : فصبروا على التكذيب، وعلى الإيذاء الذي ينالهم من قومهم، حتى جاءهم نصرنا.
وعلى هذا فقوله : وأوذوا معطوف على قوله : كذبوا فصبروا على ما كذبوا، وصبروا على ما أوذوا. و ( ما ) مصدرية، أي : صبروا على التكذيب والإيذاء حتى جاءهم نصرنا، وهنالك قوم قالوا : الإيذاء لم يتقدم له ذكر حتى يكون الصبر عليه مذكورا ؛ ولذا قالوا : وأوذوا عطف على قوله : كذبت رسل من قبلك يعني : لقد كذب الرسل وأوذوا، فصبروا على ذلك.
وقوله : ولا مبدل لكلمات الله يعني : أن الله من كلماته ( جل وعلا ) نصره لرسله، وأن العاقبة الحميدة كائنة لهم، كما قال : ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون [ الصافات : الآيات ١٧١ ١٧٣ ] كتب الله لأغلبن أنا ورسلي [ المجادلة : آية ٢١ ] وقوله جل وعلا : إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا في الحياة الدنيا [ غافر : آية ٥١ ] مثل هذه الكلمات من الوعد الصادق بنصر الرسل، وأن العاقبة لهم، كما قال عن مجموع الرسل : فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم [ إبراهيم : الآيتان ١٣، ١٤ ] هذه الكلمات – وغيرها من سائر كلمات الله التي لا نهاية لها كما قال : قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي [ الكهف : آية ١٠٩ ] – لا مبدل لها. والمعنى قال الله : ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون [ الصافات : الآيات ١٧١ ١٧٣ ] فليس يمكن لأحد أن يبدل هذا الخبر ويجعل إيجابه سالبا، فيجعل الرسل مقهورين غير منصورين، لا أبدأ، وقس على ذلك. وهذا معنى قوله : ولا مبدل لكلمات الله ومعنى التبديل هو إذهاب هذا والإتيان ببدل غيرها.
لكلمات الله وعده رسله بالنصر والعاقبة المحمودة، فتبديل هذا أن ينزع النصر عنهم، ويجعل مكانه غلبتهم وإذلالهم. لا أحد يستطيع هذا التبديل لكلمات الله.
ثم قال : ولقد جاءك من نبئي المرسلين فاعل ( جاء ) هنا محذوف دل عليه المقام. و ( من ) في قوله : من نبئي المرسلين تبعيضية، أي : ولقد جاءك بعض أنباء المرسلين ؛ لأن الله يقول : منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك [ غافر : آية ٧٨ ] وفي هذا البعض الذي جاءك من أنبائهم تسلية لك، وتثبيت لك، كما قال : وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك [ هود : آية ١٢٠ ] ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك [ فصلت : آية ٤٣ ] فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل [ الأحقاف : آية ٣٥ ].

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير