قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون٥٠ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون٥١ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين٥٢ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ]الأنعام : ٥٠ ٥٣ ].
تفسير المفردات : الخزائن : واحدها خزينة أو خزانة : وهي ما يخزن فيها الشيء الذي يراد حفظه ومنع التصرف فيه : ولله خزائن السماوات والأرض [ المنافقون : ٧ ] والغيب : ما غيب علمه عن الناس بعدم تمكينهم من أسباب العلم به، وهو قسمان :
غيب حقيقي : وهو ما غاب عن جميع الخلق حتى الملائكة وهم المعنِيّ بقوله عز اسمه : قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله [ النمل : ٦٥ ].
غيب إضافي : وهو ما غاب علمه عن بعض المخلوقين دون بعض كالذي يعلمه الملائكة من أمر عالمهم وغيره ولا يعلمه البشر.
أما ما يعلمه بعض البشر بتمكينهم من أسبابه واستعمالهم لها ولا يعلمه غيرهم لجهلهم بتلك الأسباب أو عجزهم عن استعمالها فليس بداخل في عموم الغيب الوارد في كتاب الله.
وهذه الأسباب ضروب :
ما هو علمي كالدلائل العقلية والعلمية، فعلماء الرياضة يستخرجون من دقائق المجهولات ما يعجز عنه أكثر الناس ويضبطون ما يقع من الخسوف والكسوف بالدقائق والثواني قبل وقوعه بألوف الأعوام.
ما هو عملي كالبرق الأثيري ( التلغراف اللاسلكي ) الذي يعلم به المرء ما يقع في أقاصي البلاد من وراء البحار وبينه وبينها ألوف الأميال.
ما هو إدراكات نفسية خفية تصل إلى مرتبة العلم كالفراسة والإلهام، وأكثر هذا النوع هواجس تلوح للنفس ولا يجزم بها الإنسان إلا بعد وقوعها. والأعمى والبصير : هنا الضال والمهتدي.
المعنى الجملي : كان الكلام في الآيات السالفة في بيان أركان الدين وأصول العقائد، وهي : توحيد الله عز وجل، ووظيفة الرسل عليهم السلام، والجزاء على الأعمال يوم الحساب.
وهنا ذكر وظيفة الرسل العامة بتطبيقها على خاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليه، وأزال أوهام الناس فيها، وأرشد إلى أمر الجزاء في الآخرة وكون الأمر فيه لله تعالى وحده على وجه يزيد عقيدة التوحيد تقريرا و تأكيدا، وبيانا وتفصيلا.
الإيضاح : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لك إني ملك أي قل أيها الرسول الذي بعث كما بعث غيره من الرسل مبشرا من أجاب دعوته بحسب الثواب، ومنذرا من لم يقبلها بسوء العقاب، لهؤلاء المكذبين لك بغير علم يميزون به بين شؤون الألوهية وحقيقة النبوة، فيقترحون عليك من الآيات الكونية ما يعلمون أنه ليس في مقدور البشر. فهم إما أن يقولوه تعجيزا، وإما أن يظنوا أن الإنسان لا يكون رسولا إلا إذا خرج من حقيقة البشرية وصار قادرا على ما لا يقدر عليه البشر وعالما بكل ما يعجز عن علمه البشر : لا أقول لكم عندي خزائن الله، أتصرف بما خزنه وحفظه فيها من أرزاق العباد وشؤون المخلوقات. فكل هذا لله وحده يتصرف فيه بما يشاء، فيعطي لعباده من خزائنه بحسب ما أوتي كل منهم من الاستعداد في دائرة ارتباط الأسباب بالمسببات ولا يقدر أحد أن يتجاوز ذلك إلى ما لم يؤته ولم يصل إليه استعداده.
فالتصرف المطلق إنما هو لله القادر على كل شيء، وليس من موضوع الرسالة أن يكون الرسول المبلغ عنه أمر الدين قادرا على ما لا يقدر عليه البشر من التصرف في المخلوقات بالأسباب فضلا عن التصرف بغير سبب مما طلبه المشركون منه وجعلوه شرطا للإيمان به كتفجير الينابيع والأنهار في أرض مكة، وإيجاد الجنات والبساتين فيها، وإسقاط السماء عليهم كسفا، والإتيان بالله والملائكة قبيلا.
فإن قال قائل : إن الله أثبت علم الغيب المتعلق بالرسالة للرسل عليهم السلام كقوله في سورة الجن : عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا٢٦ إلا من ارتضى من رسول [ الجن : ٢٦ ٢٧ ] فكيف أمره هنا أن يتنصل من ادعاء علم الغيب ؟
وجوابه : أن إظهار شيء خاص من عالم الغيب على يدي الرسل لا يجعل ذلك داخلا في علومهم الكسبية. فإن الوحي ضرب من العلم الضروري يجده النبي في نفسه حينما يظهره الله عليه، فإذا حبس عنه لم يكن له قدرة ولا وسيلة كسبية للوصول إليه، يؤيد ذلك ما جاء في فترات الوحي في السيرة النبوية، وقد يكون توجه قلب الرسول إلى الله تعالى في بعض الحوادث مقدمة لنزول الوحي في الحكم الذي طلب من ربه بيانه يرشد إلى ذلك قوله تعالى : قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها [ البقرة : ١٤٤ ].
والخلاصة : إن الأنبياء لم يعطوا علم الغيب بحيث يكون إدراكه من علومهم المكتسبة، كذلك لم يعطوا التصرف في خزائن ملك الله، فلم يمكنهم ما لم يمكن البشر من أسبابه حتى يكون من كسبهم وعملهم، ولا هو أعطاهم ذلك على سبيل الخصوصية.
ونفي ادعاء الرسول من الأمرين يتضمن التبرؤ من ادعاء الألوهية أو ادعاء شيء من صفات الإله القادر على كل شيء، العليم بكل شيء، ويتضمن جهل المشركين حقيقة الألوهية وحقيقة الرسالة، فقد اقترحوا عليه من الأعمال ما لا يقدر عليه إلا من له التصرف فيما وراء الأسباب، وطلبوا منه الإخبار بما يكون في الزمان المستقبل ولا يعلمه إلا من كان علم الغيب صفة له كسائر الصفات. فقد سألوه عن وقت الساعة، وعن وقت نزول العذاب بهم، وعن وقت نصر الله تعالى له عليهم.
وإذا علمت أن الأنبياء لم يؤتوا ذلك فأحر بمن دونهم منزلة عند الله من القديسين والأولياء المقربين ألا يكون لهم ذلك، فادعاؤه لهم جهل عظيم وإثم كبير، ولا ينبغي التحدث به لا بين العامة ولا بين الخاصة. كما يجب محوه من الأذهان لدى الجاهلين بسنن الله في الأكوان.
ثم أمره أن يبين وظيفة الرسول فقال :
إن أتبع إلا ما يوحى إلي أي قل لهم : ما أتبع فيما أقول لكم وأدعوكم إليه إلا وحي الله الذي يوحيه إلي وتنزيله الذي ينزله علي، فأمضي لوحيه وأعمل بأمره، وقد أتيتكم بالحجج القاطعة على صحة ما أقول وليس ذلك بالمنكر في عقولكم، ولا بالمستحيل وجوده، فما وجه إنكاركم لذلك ؟
ثم وبخهم على ضلالهم فأمر رسوله أن يبين لهم أن الضال والمهتدي ليسا سواء فقال :
قل هل يستوي الأعمى والبصير أي قل لهؤلاء المشركين المكذبين : هل يستوي أعمى البصيرة الضال عن الصراط المستقيم الذي دعوتكم إليه، فلم يميز بين التوحيد والشرك، ولا بين صفات الله وصفات البشر، وذو البصيرة المهتدي إليه، المستقيم في سيره عليه بالحجة والبرهان حتى صار ذلك في مرآة قلبه أوضح مما ترى العينان، وتسمع الأذنان.
والخلاصة : إنهما لا يستويان. كما أن أعمى العينين وبصيرهما لا يستويان.
أفلا تتفكرون فيما أذكر لكم من الحجج فتعلموا صحة ما أقول لكم وأدعوكم إليه، وتميزوا بين ضلال الشرك وهداية الإسلام، وتعقلوا ما في القرآن من ضروب الهداية والعرفان بذلك الأسلوب الرائع الذي لم تعهدوه من قبل ؟ فهل يكون ذلك في مقدوري وقد لبثت فيكم عمرا من قبل عاطلا من هذه المعرفة، وتلك البلاغة الساحرة، وذلك البيان الخلاب ؟
المعنى الجملي : كان الكلام في الآيات السالفة في بيان أركان الدين وأصول العقائد، وهي : توحيد الله عز وجل، ووظيفة الرسل عليهم السلام، والجزاء على الأعمال يوم الحساب.
وهنا ذكر وظيفة الرسل العامة بتطبيقها على خاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليه، وأزال أوهام الناس فيها، وأرشد إلى أمر الجزاء في الآخرة وكون الأمر فيه لله تعالى وحده على وجه يزيد عقيدة التوحيد تقريرا و تأكيدا، وبيانا وتفصيلا.
تفسير المراغي
المراغي