ﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝ

قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون [ الأنعام : آية ٥٠ ].
أول الرسل الذين أرسلوا إلى أهل الأرض بعد أن وقع فيهم الكفر والشرك بالله : هو نبي الله نوح، كما قدمنا في قوله : إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده [ النساء : آية ١٦٣ ].
فدل على أنه أول ذلك النوع الذي يرسل إلى الناس بعد أن كفروا، وآخرهم : محمد صلى الله عليه وسلم. فالله قال لأولهم في سورة هود : ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا [ هود : آية ٣١ ] ومثل هذه القصة بعينها كانت فيما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله [ الأنعام : آية ٥٠ ] قل لهم يا نبي الله : لا أدعي لكم دعوى بعيدة ولا كاذبة، ولا أخرج لكم عن طوري وحقيقتي، لا أقول لكم : إن عندي خزائن الله.
والخزائن : جمع الخزانة، وهي المحل الذي تخزن فيه الأرزاق ونحوها، فخزائن الملوك مثلا : المحل الذي يجعلون فيه العدة من الطعام والسلاح وما جرى مجرى ذلك. وكل شيء عند الله في خزانة ؛ لأن الله جميع الأشياء كلها في خزائنه ( جل وعلا )، كما سيأتي في قوله : وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم [ الحجر : آية ٢١ ] لا أقول لكم : إن بيدي الأرزاق والآيات، وما اقترحتم من كل شيء، وخزائن الأمور ليست بيدي، وإنما هي بيد الله، وإنما أنا عبد أرسلت إليكم [ لأبشر ] من أطاعني بالجنة، [ وأنذر ] من عصاني بالنار، وأبلغكم رسالات ربي، وأوضح لكم طريق الخير والشر، وأقيم لكم المعجزات الواضحات التي لا تترك لمنصف في صدق شيئا ؛ ولذا قال : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب الجمهور من العلماء على أن هذا معطوف على ما قبله، وأنه من جملة ما أمر أن يقوله. وتقدير المعنى : قل لهم أيضا : لا أعلم الغيب. كما قال الله له : قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم لاستكثرت من الخير وما مسني السوء [ الأعراف : آية ١٨٨ ] ولا أقول لكم إني ملك بل أقول لكم : إني رجل ابن رجل وابن امرأة، أذهب إلى السوق، وأشتري منه حاجتي. لأنهم قالوا : مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق [ الفرقان : آية ٧ ] كيف يرسل الله من يأكل ويشرب، ويروح إلى السوق ؟ والله يقول : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق [ الفرقان : آية ٢٠ ] وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين [ الأنبياء : آية ٨ ] هذه سنة الله في رسله.
وقوله : ولا أقول لكم إني ملك كان المعتزلة يستدلون بظاهر هذه الآية على أن الملائكة أفضل من الآدميين ؛ لأن هذه كأنها مناصب عالية. لا أقول لكم إني في رتبة إلهية، بحيث تكون عندي خزائن السماوات والأرض، وأعلم الغيب، ولا أدعي لكم الرتبة الأخرى الكبيرة، التي هي رتبة الملك.
وأكثر العلماء على أن خيار الرسل من الآدميين أفضل من الملائكة.
وهذا النوع من الخلاف والبحث مما فيه : " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " ؛ لأننا لم نؤمر به، ولم نكلف به، والخوض فيه لا حاجة لنا فيه، ولا لنا من ورائه نفع.
وقد قدمنا مرارا : أن أكثر العلماء على أن أصل المادة اللغوية التي منها ( الملك ) أنها :( ألك ) ففاء الفعل همزة، وعينها لام، ولا مها كاف، ( ألك ) وأصل هذه المادة، مادة ( الهمزة واللام والكاف )، معناها : الرسالة. والألوكة : الرسالة، والمألكة : الرسالة.
وغلام أرسلته أمه *** بألوك فبدلنا ما سأل
والعرب تقول :( ألكني إليها ) :( حمل إليها مألكتي ) أي : رسالتي فبلغها عني، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي :
ألكني إليها وخير الرسو *** ل، أعلمهم بنواحي الخبر
وعلى هذا فأصل الملك :( مالك ) على وزن ( مفعل ) من ( الألوكة ) وهي : الرسالة. فدخله القلب الصرفي المعروف، وهو جعل العين مكان الفاء، والفاء مكان العين، فجعلت الهمزة التي كانت موضع الفاء في موضع العين، فصار :( ملأك )، ووزن ( الملأك ) بالميزان الصرفي :( مفعل ) لأن العين جاءت في موضع الفاء، والفاء في موضع العين. وربما نطقت العرب به على هذا القلب بلفظ ( ملأك )، كقول الشاعر :
ولست لإنسي ولكن ملأكا *** تحدر من جو السماء يصوب
فخففت همزة الملأك، وألقيت حركتها على اللام، فقيل :( ملك ). كما تسقط في قوله :( سلهم ). أصلها :( اسألهم ). وما يدل على أن أصله :( مألك )، وأن الهمزة أصلها فيه ؛ لأنه يجمع على ( ملائكة ) فتأتي الهمزة التي خففت من الأصل. هذا أصله عند جمهور العلماء، ومن يقول : إن أصله من ( الملك ) قول ضعيف.
وعلى هذا الذي قررنا، فوزن ( الملك ) حاليا :( معل ) لأن الفاء المزحلقة إلى مكان العين ساقطة منقولة حركتها. فوزنه ( معل ) بإسقاط الفاء، قالوا : وإنما سمي الملك ملكا من ( المألكة ) وهي الرسالة ؛ لأن الملائكة عباد الله المكرمون، الذين يحملون مآلك الله، أي : رسالاته، كما يأتي في قوله : فالمدبرات أمرا [ النازعات : آية ٥ ] فمنهم من يرسل لتكثير الريح، ومنهم من يرسل لتكثير المطر، ومنهم من يرسل لقبض الأرواح، ومنهم من يرسل لحفظ الأعمال، ومنهم من يرسل لحفظ الآدميين لئلا تتخطفهم الشياطين، كما يأتي، في أحد التفسيرات في قوله : له معقبات من بين يديه ومن خلفه الآية [ الرعد : آية ١١ ].
وقوله جل وعلا : إن أتبع إلا ما يوحى إلي ( إن ) هنا هي النافية. والمعنى : ما أتبع إلا ما أوحاه ربي إلي، لا أزيد عليه ولا أخرج عن طوري، فأنا رسول كريم، أوحى الله إلي أن أنذركم وأبشركم، وأنا اتبع ما يوحى إلي، فمن أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني دخل النار.
وبهذه الآية وأمثالها في القرآن يتمسك الظاهرية بأن القياس لا يجوز في الشرع. قالوا : لأن النبي قال : ما أتبع إلا ما يوحى إلي. فحصر الاتباع في الموحى إليه، والله يقول : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة [ الأحزاب : آية ٢١ ] فعلينا أن لا نتبع إلا خصوص الوحي، ولا نخرج عنه إلى رأي. وأمثال هذا من الآيات التي يستدل بها الظاهرية كثيرة جدا.
ونحن نقول : إن الجواب : أنا لا نخرج عما يوحى، إلا أن ما يوحى منه ما هو منصوص به ظاهر، ومنه ما هو مفهوم من حكم المنصوص به، ولا خروج في هذا عن حكم الوحي ؛ لإجماع العقلاء على أن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل، فالشرع قد يذكر الشيء ويسكت عن نظيره المماثل له في علة الحكم فيفهم العقلاء أنه مثله، وهذا الجمود الذي يدعيه ابن حزم متمسكا بعشرات أو مئات الآيات من هذا النوع، يقول : كل ما نص عليه الله فحكمه ظاهر، وما لم يأت في نص الله من كتاب الله، ولا سنة نبيه، فهو مسكوت عنه، وهو عفو، ولا لنا أن نبحث عنه، ولا نسأل عنه ؛ لأن الله سكت عنه غير نسيان، بل سكت عنه رحمة بنا، فليس لنا أن نبحث عنه.
هذا الذي يقوله ابن حزم، ويستدل عليه بعشرات الآيات، نحن نقول بموجبه. ومعنى :( نقول بموجبه ) أننا نقدح فيه بالقادح المعروف في علم الأصول ب ( القول بالموجب )، وهو أن نقول : أنت صادق فيما قلت، ولكن هذا لا حجة لك فيه، ولا يقطع نزاعنا معك. والمعنى : نحن نصدقك بأن الله أباح أشياء، وحرم أشياء، وسكت عن أشياء رحمة بنا لا نسيانا، والتي سكت عنها ليس لنا البحث عنها، وهي عفو، ولكن هذا الذي تقول أنت : إن الله سكت عنه نحن نقول : أنت في هذا لست بمصيب، بل الله لم يسكت عنه، بل بين حكمه بذلك الشيء الذي نص عليه، وأمثال هذا كثيرة في كتاب الله وفي سنة نبيه، فنحن معاشر عامة المسلمين نعلم أن الله ( جل وعلا ) لما قال في الوالدين : فلا تقل لهما أف ابن حزم يقول : ضرب الوالدين مسكوت عنه، ولم تدل هذه الآية على منعه ! ! ونحن نقول : هذا غير صحيح، بل آية : فلا تقل لهما أف [ الإسراء : آية ٢٣ ] ليست ساكتة عن ضرب الوالدين ؛ لأن النهي عن التأفيف يفهم منه قطعا من دلالة هذه الآية أنه أحرم وأحرم وأحرم ؛ لأنه أشد إيذاء، كذلك حديث أبي بكرة الثابت في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان ". صرح النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح أن القاضي في وقت الغضب لا يجوز له أن ينظر في قضايا الناس ؛ لأن الغضب أمر مشوش للفكر، لا يتمكن معه القاضي من استيفاء النظر في الحقوق، فلو حكم في ذلك الوقت، فهو مظنة لضياع حقوق الناس، وسكت النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح عما لو كان القاضي مشوش الفكر تشويشا أعظم من الغضب، كأن كان في حزن أو سرور مفرطين، أو كان في جوع أو عطش مفرطين، أو كان في حقن أو حقب مفرطين ؛ فإنه ينال من شدة العطش، ومن شدة الجوع، ومن شدة الحزن، ومن شدة السرور، ومن شدة الحقن ( وهو – بالنون *** : مدافعة البول. والحقب – بالباء *** : مدافعة الغائط، إذا كان في هيجان شديد للخروج ). هذه الأشياء تشوش فكر الإنسان حتى لا يبقى له نظر تشويشا أشد من الغضب.
فيقول ابن حزم : هذه مسكوت عنها، فالحكم في وقتها عفو ! !
ونحن نقول : لا والله، ليست مسكوتا عنها ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما نبه على أن القاضي في وقت الغضب لا يجوز له أن يحكم، عرفنا أن هذا الحديث في معنى : أن كل مشوش للفكر يمنع من استيفاء النظر، ويؤدي إلى ضياع حقوق الناس، أن الحكم في وقته ممنوع، كذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن البول في الماء الراكد، وسكت عما لو بال في قارورة وصبها في الماء من القارورة. فمقتضى ما يقوله ابن حزم : أنه لو قطر فيه قطرات قليلة من ذكره مباشرة : هذا منطوق به، ولو صب فيه مئات الأطنان من الأواني : أن هذا مباح ومسكوت عنه ! ! وهذا هوس لا يقوله عاقل ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عنه لأن البول يقذره، وصبه فيه من الإناء لا فرق بينه وبين بوله فيه مباشرة.
مثلا النبي صلى الله عليه وسلم نهى الإنسان أن يضحي بالشاة العوراء، وسكت عن الشاة العمياء، فلا نقول : إن الشاة العمياء عفو، ومن شاء أن يضحي بها ؛ لأنا نقول : إن النص المانع من التضحية بالعوراء يعرف منه حكم العمياء.
وهذا – لو تبعنا – أمثاله كثيرة في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
واستدل بعض العلماء – من علماء الأصول – بآية الأنعام هذه على أحد قولين ؛ في مسألة اختلف فيها العلماء ؛ لأنه معلوم في علم الأصول أن العلماء مختلفون : هل النبي صلى الله عليه وسلم يمكن أن يجتهد في شيء، أو لا يجتهد في شيء ؟.
فالذين قالوا : الاجتهاد ممنوع عليه، استدلوا بهذه الآية من سورة الأنعام، وآية النجم، وما جرى مجراهما. قالوا : لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن أتبع إلا ما يوحى [ الأنعام : آية ٥٠ ] فحصر ما يتبع في الوحي، وهذا يمنع الاجتهاد، وأنه لا سبيل إلى الاجتهاد.
وآية النجم التي أشرنا إليها هي قوله : وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى [ النجم : الآيتان ٣ *** ٤ ].
فأجابوا عن هذا قالوا : وقعت وقائع تدل على الاجتهاد في الجملة، كما دلت عليه آيات من كتاب الله، كقوله في سورة الأنفال : قال له الله ( جل وعلا ) لما اجته

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير