وهو القاهر الغالب الذي لا يتصور من أحد مقاومة في إنفاذ المراد فوق عباده تصوير للغالبة والاستعلاء ويرسل عليكم حفظة يحفظون أعمالكم ويكتبونها في الصحف وينشر تلك الصحف يوم القيامة ليظهر المطيع من العاصي على رؤوس الأشهاد حتى إذا جاء أحدكم الموت غاية لإرسال الحفظة أو غاية للغلبة يعني بلغت غلبته إلى أنهم لا يقدرون على مخالفته في قبض أرواحهم توفته جواب إذا قرأ حمزة توفاه بالألف المحال على التذكير، والباقون بالتاء على التأنيث رسلنا أخرج ابن أبي حاتم وابن أبي شيبة عن ابن عباس أن المراد بهم أعوان ملك الموت من الملائكة، وكذا أخرج أبو الشيخ عن النخعي، وذكر السيوطي عن وهب بن منبه قال : إن الملائكة الذين يقربون بالناس هم الذين يتوفونهم ويكتبون آجالهم فإذا توفى الأنفس آجالهم دفعوها إلى ملك الموت وهو كالعاقب أي العشار الذي يؤدي إليه من تحته، وأخرج ابن حبان وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس أنه سئل عن ملك الموت هل هو وحده الذي يقبض الأرواح ؟قال : هو الذي يلي أمر الأرواح وله أعوان على ذلك غير أن ملك الموت هو الرئيس كل خطوة منه من المشرق إلى المغرب، قلت : أين تكون أرواح المؤمنين قال : عند سدرة المنتهى، قال : القرطبي لا منافاة بين قوله تعالى توفنه رسلنا (١)وقوله تعالى : يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم (٢)وقوله تعالى : الله يتوفى الأنفس (٣) لأن إضافة التوفي إلى ملك الموت لأنه المباشر للقبض وإلى الملائكة الذين هم أعوانه لأنهم يأخذون في جذبها فهو قابض وهم معالجون وإلى الله تعالى لأنه هو الفاعل على الحقيقة يعني أفعال العباد مخلوقة له تعالى، وقال : القرطبي إنه في الخبر أنه ينزل عليه أي على الميت أربعة من الملائكة ملك يجذب النفس من قدمه اليمنى وملك يجذبها من قدمه اليسرى وملك يجذبها من يده اليمنى ومالك يجذبها من يده اليسرى ذكره أبو حامد، وقال : الكلبي : يقبض ملك الموت الروح من الجسد ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، وأخرج جويبر في تفسيره عن ابن عباس قال ملك الموت هو الذي يتوفى الأنفس كلها وقد سلط على ما في الأرض كما سلط على ما في راحته ومعه ملائكة من ملائكة الرحمة العذاب فإذا توفى نفسا طبية دفعها إلى ملائكة الرحمة وإذا توفى نفسا خبيثة دفعها إلى ملائكة العذاب، وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن ابن المثنى الحمصي نحوه. ويدل على هذه ما روى أحمد وأبو داود والحاكم وابن شيبة والبيهقي وغيرهم من طرق صحيحة في حديث طويل عن البراء بن عازب وفيه قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال : فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء فيأخذها يعني ملك الموت فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ) الحديث، وذكر في الكافر أنه ينزل ملائكة سود الوجوه معهم المسموح فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه- فذكر الحديث نحوه أنه يقبض- فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين الحديث ) (٤)وأخرج ابن حاتم زهير بن محمد قال : قيل : يا رسول الله ملك الموت واحد والزحفان يلتقيان من المشرق والمغرب وما بين ذلك من السقط والهلاك ؟ فقال : إنه حوى الدنيا لملك الموت حتى جعلها كالطست بين يدي أحدكم فهل يفوته منها شيء ) وأخرج ابن أبي الدنيا وأبا الشيخ عن أشعت بن أسلم قال : سأل إبراهيم عليه السلام ملك الموت واسمه عزرائيل وله عينان في وجهه وعينان في قفاه فقال : يا ملك الموت ما تصنع ؟إذا كانت نفس بالمشرق ونفس بالمغرب ووقع الوباء بأرض والتقى الزحفان كيف تصنع ؟ قال أدعوا الأرواح بإذن الله فيكون بين أصبعي هاتين، قال : ودحيت له الأرض فتركت كالطست يتناول منها حيث يشاء، وأخرج أن ملك الموت قال : ليعقوب حين سأله إن الله سخر لي الدنيا كالطست يوضع قدام أحدكم فيتناول من أي أطراف شاء كذلك الدنيا عندي، وأخرج في الزهد وأبو الشيخ وأبو نعيم مجاهد قال : جعلت الأرض لملك الموت مثل الطست يتناول من حيث شاء وجعل له أعوانا يتوفى الأنفس ثم يقبضها منهم قلت : وتحقيق المسألة بالنظر إلى الأحاديث والآثار أن الله سبحانه جعل ملك الموت بحيث نسبته إلى جميع الأرض والأقطار على السواء كالشمس في المشاهدات وجعل نفسه بحيث لا يغنيه شأن عن شأن وكذلك يجعل لنفوس بعض أوليائه فإنهم يظهرون إن شاء الله تعالى في آن واحد في أمكنة شتى بأجسادهم المكتسبة، وجعل لملك الموت أعوانا في جذب النفوس هم كالجوارح له وتنزل عند كل ميت مؤمن أو كافر جمع من الملائكة بأكفان من الجنة أو النار فيأخذون روحه من ملك الموت ويرتقون به إلى السماء، فالمراد برسلنا في هذه الآية إما أعوان ملك الموت وإما الملائكة الذين يرتقون بالأرواح ويأخذونها من ملك الموت وقيل : أراد بالرسل ملك الموت وحده فذكر الواحد بلفظ الواحد بلفظ الجمع{ وهم لا يفرطون أي لا يقصرون بالتواني والتأخير ولا يقدرون على قبض الأرواح إلا بعد إذنه تعالى، أخرج الطبراني وابن منذة وأبو نعيم عن الحارث بن الخزرج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار فقال :( يا ملك الموت ارفق بصاحبي فإنه مؤمن فقال : ملك الموت طب نفسا وقر عينا واعلم أني لكل مؤمن رفيق واعلم يا محمد إني لأقبض روح ابن آدم فإذا صرخ صارخ من أهله قمت في الدار ومعي روحه فقلت يا هذا الصارخ والله ما ظلمناه ولا سبقنا أجله ولا استعجلنا قدره، وما لنا قبضة من ذنب فإن ترضوا بما صنع الله تؤجروا وإن تسخطوا تأثموا وتأزروا وإن لنا عندكم عودة بعد عودة فالحذر الحذر، وما من أهل بيت شعر ولا مدر بر ولا فاجر سهل ولا جبل إلا وأنا أتصفحهم في يوم وليلة حتى لأنا أعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم، والله لو أردت قبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو يأذن بقبضها ) وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن الحسن نحوه، قال : جعفر بن محمد بلغني أنه إنما يتصفحهم عند مواقيت الصلاة فإذا نظر عند الموت فإن كان ممن يحافظ على الصلوات الخمس دنا منه ملك الموت وطرد عنه الشياطين ويلقنه لا إله إلا الله محمد رسول الله في ذلك الحال العظيم
٢ سورة السجدة، الآية: ١١..
٣ ورة الزمر، الآية: ٤٢..
٤ خرجه أحمد في المسند ٣/٢٨٦ ورجاله رجال الصحيح..
التفسير المظهري
المظهري