وهو القاهر فوق عباده بالقهر والغلبة، ويُرسل عليكم حفظةً ؛ ملائكة تحفظ أعمالكم، وهم الكرام الكاتبون، والحكمة فيه : أن العبد إذا علم أن أعماله تكتب عليه وتُعرض على رؤوس الأشهاد، كان أزجر له عن المعاصي، ثم لا تزال الملائكة تكتب عليه أعماله حتى إذا جاء أحدَكُم الموتُ توفتهُ رسُلنا أي : ملك الموت وأعوانه، وهم لا يٌفرطون بالتواني التأخير، ولا يجاوزون ما حد لهم بالتقديم والتأخير.
وقال فارس رضي الله عنه : القبض أولاً ثم البسط، ثم لا قبض ولا بسط ؛ لأن القبض والبسط يقعان في الوجود ؛ أي ؛ في وجود النفس، وأما مع الفناء والبقاء فلا. هـ. أي : فلا قبض ولا بسط ؛ لأن العارف الواصل مقبوض في بسطه، مبسوط في قبضه، لا تؤثر فيه هواجم الأحوال ؛ لأنه مالك غير مملوك. والله تعالى أعلم.
ومن علم أن الله قاهر فوق عباده، انسلخ من حوله وقوته، وانعزل عن تدبيره واختياره ؛ لإحاطة القهرية به، ومن تحقق عموم قهاريته تعالى، علم أنه لا حجاب حسي بينه وبينه، إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه، ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر، وكل حاصر لشيء فهو له قاهر، ( وهو القاهر فوق عباده )، وإنما المحجوب : العبد عن ربه بوجود وهمه وجهله، ومن تحقق أن الملائكة تحفظ أعماله استحيا من ارتكاب القبائح، لئلا تعرض على رؤوس الأشهاد.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي