ويقول الحق من بعد ذلك :
وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ( ٦١ ) .
والقاهر هو المتحكم بقدرة فائقة محيطة مستوعبة. ولقائل أن يقول : ما دام الحق هو القاهر فكيف يكفر الكافر وكيف يعصى العاصي ؟ ونقول : إن الكافر يكفر بما خلق الله فيه من اختيار وكذلك تكون معصية العاصي. ولكن الحق أوجد في الإنسان اضطراريات وقهريات تدلنا على أنه سبحانه فعال لما يريد. ولا أحد من المتمردين على المنهج الله يجرؤ أن يسحب هذا التمرد على ما يجريه الله عليه من مرض أو موت.
والمتمرد أو الكافر إنما من باطن الاختيار الذي خلقه الله فيه، والله هو الحاكم للميلاد والموت ولا شيء للإنسان فيهما، وكذلك هو سبحانه له تصريف أمور الغني والفقر، ولا يجرؤ متمرد على أن يتمرد على المصائب التي تحدث له وإن تمرد على منهج الله ؛ لأن التمرد هو من باطن خلق الله للاختيار الذي أودعه في الإنسان.
وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ( ٦١ ) ( سورة الأنعام )
وحين يتكلم الحق سبحانه عن ذاته ونفسه، قد يتكلم بضمير المتكلم، فيقول :
إنني أنا الله ( من الآية ١٤ سورة طه )
وقد يقول سبحانه :
( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ( ٩ ) }( سورة الحجر ).
ومرة يتكلم عن ذاته بما نسميه نحن ضمير الغيبة مثل قوله هنا :
وهو القاهر فوق عباده ( من الآية ٦١ سورة الأنعام ).
لأن الضمير المتكلم معه دليله، إن المتكلم يقول : أنا، ويخاطبك فيقول : أنت لكن الذي يتكلم بضمير الغيبة لا بد أن يعود الضمير على مرجع لهذا الضمير. حين يتكلم الحق عن ذاته بما يسمى لدينا ضمير الغيبة فإنه – سبحانه – يريد أن يبين لنا أنه في أجلى مجال المشاهدة والحضور ؛ فكأنه إذا قال ( هو ) لا تنصرف إلا إلى ذاته العليا ؛ فكأنه لا يوجد مرجع ضمير إلا هو، ولذلك يقول :
قل هو الله أحد ( ١ ) ( سورة الإخلاص ).
وسبحانه يقول :( هو ) قبل أن يذكر المرجع، هو ( الله ) ؛ مع أن الأصل في المرجع أن يتقدم، ولكنه يقول :
قل هو الله أحد ( ١ ) ( سورة الإخلاص ).
فكأنه إذا أطلق هذا الضمير فلا ينصرف إلا إلى ذاته، وحين يتكلم بضمير التكلم نراه يتكلم عن ذاته بضمير الإفراد فيقول :
إنني أنا الله ( من الآية ١٤ سورة طه )
ويقول مرة أخرى :
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ( ٩ ) ( سورة الحجر )
لماذا ؟. إنه سبحانه إن تكلم عن فعل من أفعاله نجد أن كل فعل من أفعاله يتطلب صفات الكمال كلها فيه، لأنه يتطلب علما بما يتكلم به، ويتطلب قدرة لإبرازه، ويتطلب حكمة، ويتطلب صفات كثيرة، فإذا قال سبحانه :
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ( ٩ ) ( سورة الحجر )
فالتنزيل فعل، والفعل يقتضي صفات متعددة. فلا بد أن يأتي بضمير التعظيم وهو الجمع ؛ لأن كل صفات الكمال متجلية في التنزيل. ولكن إن تكلم عن الذات في التوحيد لا يأتي بضمير الجمع أبدا ؛ لأنه يريد أن تنفى عن ذاته أنه متعدد ؛ لأنه هو الواحد الذي لا شريك له، فحين يتكلم عن الذات يقول : إنني أنا الله....................... ( ١٤ ) }( سورة طه )
وحين يتكلم عن الذكر يقول :
إنا نحن نزلنا الذكر...................... ( ٩ ) ( سورة الحجر )
ففي مجال التعظيم والتنزيل الذي يتطلب تجلي كثير من صفاته – جل شأنه – يأتي بضمير الجمع، وفي التوحيد والتفرد ونفي الشريك يأتي ضمير الإفراد.
هنا يقول سبحانه :
وهو القاهر فوق عباده.................... ( ٦١ ) ( سورة الأنعام )
وكلمة ( قاهر ) إذا سمعتها تتطلب مقهورا. وما دام هناك قاهر ومقهور ففي ذلك ميزانان بين مجالين. ومادام هو قاهر ففي أي مجال وبأية طريقة سيكون الطرق الثاني مقهورا له ؟ إننا نعلم أن كل شيء في الكون مقهورا له، فقد قهر العدم فأوجد، وقهر الوجود فأعدم. وقهر الغنى فأفقر، وقهر الفقر فأغنى. وقهر الصحة فأمرض، وقهر المرض فأصح.
إذن فكل شيء في الوجود مقهور لله حتى الروح التي جعلها مصدر الحس والحركة للإنسان يقهرها سبحانه. فإذا جاء إنسان وقتل إنسان آخر بأن ضربه على المكان الذي لا توجد عند عدمه وفقده حياة بأن أذهب صلاحيته للبقاء تنسحب الروح. وهذا يوضح لنا أن الروح في الجسم هي المسيطرة، لكن من ينقض البنية التي تسكنها الروح يذهب الروح ويخرجها من الجسم ومرة يقهر المادة بالروح فيأخذ الروح من غير آفة ومن غير أية إصابة ويتحول الجسم إلى رمة. إذن فسبحانه يقهر الروح، ويقهر المادة، ولا توجد متقابلات في الوجود عالية ومتأبية ومتمردة عليه – سبحانه - :
وهو القاهر فوق عباده ( من الآية ٦١ سورة الأنعام )
والقاهر هو المتحكم بقدرة شاملة على المقهور، وانظر أي تقابل في الحياة تجده مدينا وخاضعا لصفة القهر. وهو القاهر فوق عباده وكلمة ( فوق ) تقتضي مكانية. ولكن المكانية تحديد، ومادام القهر يتطلب قدرة فهل يعني ذلك أن القادر لا بد أن يكون في مكان أعلى ؟ لأننا نجد – على سبيل المثال ولله المثل الأعلى – من يضع قنبلة تحت العمارة العالية ويقهر من فيها. إذن فالقهر لا يقتضي الفوقية المكانية، إذن فالفوقية المرادة هي فوقية الاستعلاء، ونحن عندما تكلمنا عن الحق سبحانه وتعالى أوضحنا أن نلتزم بإطار ( ليس كمثله شيء ) فهو ذات لا ككل الذوات. وصفاته ليست ككل الصفات، وكذلك نأتي ونقول في فعله، وعلى سبيل المثال نجد خلق الله يحتاجون إلى زمن ويحتاجون إلى علاج، وكل جزئية من الفعل تحتاج إلى جزئية من الزمن، لكن هو سبحانه إذا فعل أيحتاج فعله إلى زمن ؟ لا، لأنه لا يفعل بعلاج، ولا يجلس ليباشر العملية، إنما يفعل سبحانه ب ( كن )، إذن القهر في قوله : وهو القاهر فوق عباده هو قهر الاستعلاء.
ولذلك يقول لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( ينزل ربنا إلى السمار الدنيا كل ليلة لآخر رمضان ).
ففي أية ليلة ينزل فيها الله ؟ ليلتك أم ليلة المقابل لك ؟ أم الليلة التي تشرق الشمس فيها في مكان، وتغيب عن مكان آخر ؟ إذن، فكل واحد من المليون من الثانية ينشأ ليل وينشأ نهار، وهكذا نعلم أن الله معك ومع غيرك، باسطا لك ولغيرك يده.
بل يداه مبسوطتان ( من الآية ٦٤ سورة المائدة )
لذلك لا نفهم قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها )١. لا تفهم ذلك بتخصيص ليل معين أو نهار معين ؛ لأن يده مبسوطة في كل زمن وفي كل مكان وليس كمثله شيء.
وهو القاهر عباده . وعباده من مادة العين والباء والدال، ومفردها ( عبد )، وجمعها يكون مرة ( عبيدا ) وأخرى ( عبادا ). و ( العباد ) هم المقهورون لله فيما لا اختيار لهم فيه، وهم أيضا المنقادون لحكم الله فيما لهم فيه اختيار ؛ لأن الإنسان مقهور في بعض الأمور ولا تصرف له فيها : لا تصرف له في نفسه، ولا تصرف له في نبضات قلبه، ولا تصرف له في الحركة المعدة، ولا تصرف له في حركة الأمعاء، ولا تصرف له في حركة الحالبين، ولا تصرف له في حركة الكلية، وكلها مسائل تشمل المؤمن و الكافر، والكل مقهور فيها.
إن من رحمة الله أننا مقهورون فيها ولا رأي لنا ؛ لأنه لو كان لنا رأي في مثل هذه الأمور لكان لنا أن نسأل : كيف ننظم عملية تنفسيا في أثناء النوم ؟ إذن فمن رحمة الله أمن منع عنا الاختيار في بعض الأمور التي تمس حياتنا. ومن رحمة الله أن كلا منا مقهور فيها، فمن يستطيع أن يقول لمعدته : أهضمي الطعام ؟ ومن يستطيع أن يأمر الكلي بالعمل ؟ ! !.
إذن فكل أمر مقهور فيه الإنسان، هو فيه منقاد لله ولا اختيار له. أما الأمر الذي لك فيه اختيار فهو مناط التكليف. ولذلك لا يقول لك المنهج :( افعل ) إلا أنت صالح ألا تفعل، ولا يقول لك ( لا تفعل ) إلا وأنت صالح أن تفعل.
إذن الأمور الاختيارية هي التي وردت فيها ( افعل ) و ( لا تفعل ). وهي الأمور التي فيها التكليف. ومن يطع ربنا في منهج التكليف يصبح وكأنه مقهور للحكم، ويكون ممن يسميهم الله ( عبادا )، فكأنهم تنازلوا عن اختيارهم في الأحكام التكليفية، وقالوا : يا رب لن نفعل إلا ما يريده منهجك. وكل منهم ينفذ حكم الله فيما له فيه اختيار ألا ينفذه. أما العبيد فهم من يتمردون على التكليف، فالمؤمنون بالله هم عباده. ولذلك يقول الحق :
قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميع..... ( ٥٣ ) ( سورة الزمر )
ويوضح سبحانه سمات هؤلاء العباد فيقول :
وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ( ٦٣ ) ( سورة الفرقان ).
هؤلاء هم العباد الذين تنازلوا عن اختيارهم في الفعل، وقبلوا أن يكونوا مأمورين ومطيعين لله فيما كلف به، وهم في الأمور التي لا اختيار لهم فيها يكونون مثل بقية الكائنات، فكل الخلق والكون عبيد الله، فيما لا اختيار لهم فيه أما المؤمنون به فهم عباد الله. ولكن آية واحد في القرآن وهي التي تثير بعض الجدل في مثل هذا الموضوع. ساعة يقول الحق سبحانه وتعالى عما يحدث في الآخرة :
أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء..................... ( ١٧ ) ( سورة الفرقان )
وكأن ( عبادي ) هنا أطلقت على الضالين، ويقول : نعم ؛ لأن الكل في الآخرة عباد ؛ إذ لا اختيار لأحد هناك. لكن في الدنيا فالمؤمنون فقط هم العباد، والكافرون عبيد لأنهم متمردون في الاختيارات.
وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة ( من الآية ٦١ سورة الأنعام )
ومع مجيء معنى القهر يرسل الحق حفظة، إذا كان القهر يعني الغلبة والتملك والسيطرة والقدرة، فهو قهار على عباده وأيضا يرسل حفظة.
ويقول في موقع آخر :
له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ( من الآية ١١ سورة الرعد )
وهكذا يكون قهر الله لنا، لمصلحتنا نحن ؛ لأن الضعيف حين يقهره جبار، ويمكنه أن يقول : الله هو القهار الأعلى، وفي هذا تذكير للقوي نسبيا أن هناك قهارا فوق كل الكائنات، فالله قهار فوق الجميع، وبذلك يرتدع القوي عن قهره، فيمتنع عن الذنب، وتمتنع عنه العقوبة، وفي ذلك رحمة له.
ويرسل عليكم حفظة ( من الآية ٦١ سورة الأنعام )
وجاء معنى ( الحفظة ) في القرآن في قوله الحق :
ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ( ١٨ ) ( سورة ق )
فكل لفظ رقيب عتيد، حفظة أي ملائكة يحفظون ويحصون أعمالكم ويسجلونها وهم الكرام الكاتبون، وكلما تقدم العلم أعطانا فهما للمعاني الغيبة، وإن كانت المعاني الغيبية التي نستقبلها عن الله دليلنا فيها السماع، ففيه رقيب وعتيد يكتبان فقط، هكذا قال ربنا فآمنا بما قال وانتهت المسألة، وهذا هو المطلوب.
ولذلك قال الحق :
الذين يؤمنون بالغيب ( من الآية ٣ سورة البقرة )
لأن الإيمان لو كان بالمشهد فما الفرق – إذن – بين الناس ؟ إن الإيمان في كماله وقمته هو الإيمان بالغيب، فإذا قال الحق سبحانه وتعالى :
ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ( ١٨ ) ( سورة ق )
فهذا خبر عن الملائكة الذين يكتبون الحسنات، ويكتبون السيئات. وحين ننظر إلى البشر، نجدهم يتفاوتون ويرتفع بعض منهم على بعض في صفات وقدرات
تفسير الشعراوي
الشعراوي