المعنى الجملي : بعد أن أمر عز اسمه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للمشركين أنه على بينة من ربه فيما بلغهم إياه من رسالته، وأن ما يستعجلونه عذاب الله تعجيزا أو تهكما ليس عنده، وإنما هو عند الله، وقد قضت سنته أن يجعل لكل شيء أجلا وموعدا لا يتقدم ولا يتأخر، وأن الله تعالى هو الذي يقضي الحق ويقصه على رسوله ـ ذكر هنا أن مفاتح الغيب عنده وأن التصرف في الخلق بيده، وأنه هو القاهر فوق عباده لا يشاركه أحد من رسله ولا من سواهم في ذلك.
تفسير المفردات : الحفظة : هم الكرام الكاتبون من الملائكة وإن عليكم لحافظين١٠ كراما كاتبين [ الانفطار : ١٠ ١١ ].
المعنى الجملي : بعد أن أمر عز اسمه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للمشركين أنه على بينة من ربه فيما بلغهم إياه من رسالته، وأن ما يستعجلونه عذاب الله تعجيزا أو تهكما ليس عنده، وإنما هو عند الله، وقد قضت سنته أن يجعل لكل شيء أجلا وموعدا لا يتقدم ولا يتأخر، وأن الله تعالى هو الذي يقضي الحق ويقصه على رسوله ـ ذكر هنا أن مفاتح الغيب عنده وأن التصرف في الخلق بيده، وأنه هو القاهر فوق عباده لا يشاركه أحد من رسله ولا من سواهم في ذلك.
وبعد أن أبان سبحانه أمر الموت والرجوع إلى الله للحساب والجزاء، ذكر قهره لعباده وإرسال الحفظة لإحصاء أعمالهم وكتابتها عليهم فقال : وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة . الإيضاح : وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة أي إنه تعالى هو الغالب خلقه العالي عليهم بقدرته وسلطانه، لا المقهورون من الأوثان والأصنام، المغلوبون على أمرهم، ويرسل عليكم حفظة من الملائكة يتعاقبونكم ليلا ونهارا يحفظون أعمالكم ويحصونها، ولا يفرّطون في حفظها وإحصائها، ولا يضيعون شيئا منها.
وإرسال الحفظة عليهم : مراقبهم لهم وإحصاء أعمالهم وكتابتها وحفظها في الصحف التي تنشر يوم الحساب، وهي المرادة بقوله تعالى : وإذا الصحف نشرت [ التكوير : ١٠ ].
وهؤلاء الحفظة الملائكة الذين قال الله تعالى فيهم : وإن عليكم لحافظين١٠ كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون [ الانفطار : ١٠ ١٢ ] ونحن نؤمن بهذه الكتابة ولا نعرف صفتها ولا نتحكم فيها بآرائنا.
وما مثل مراقبة أولئك الحفظة إلا مثل مراقبة رجال البوليس السري في حكومات العصر الحديث.
روى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في الآية : الملوك يتخذون الحرس يحفظونهم من أمامهم ومن خلفهم وعن يمينهم وعن شمالهم، يحفظونهم من القتل، ألم تسمع أن الله تعالى يقول : وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له [ الرعد : ١١ ] لم يغن الحرس عنهم شيئا.
وفي معنى الآية قوله : سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به ومن مستخف بالليل وسارب بالنهار١٠ له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله [ الرعد : ١٠ ١١ ].
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعا : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون .
والحكمة في كتابة الأعمال وحفظها على العاملين : أن المكلف إذا علم أن أعماله تحفظ عليه وتعرض على رؤوس الأشهاد كان ذلك أزجر له عن الفواحش والمنكرات وأبعث له على عمل الصالحات، فإن المرء إن لم يصل إلى مقام العلم الراسخ الذي يثمر الخشية لله والمعرفة الكاملة التي تثمر الحياء، ربما غلب عليه الغرور بالكرم الإلهي والرجاء في المغفرة والرحمة فلا يكون لديه من الخشية والحياء، ما يزجره عن المعصية، كما يزجره توقع الفضيحة في موقف الحساب على أعين الخلائق وأسماعهم، كما قال تعالى : ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا [ الكهف : ٤٩ ].
حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون أي يرسل عليكم حفظة من الملائكة يراقبونكم ويحصون عليكم أعمالكم مدة حياتكم، حتى إذا جاء أحدكم الموت وانتهى عمله، توفته وقبضت روحه رسلنا الموكلون بذلك من الملائكة، وهؤلاء الرسل هم أعوان ملك الموت الذين يتولون ذلك بأمره كما قال تعالى : قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون [ السجدة : ١١ ].
روى ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس أنه سئل عن ملك الموت أهو وحده الذي يقبض الأرواح ؟ قال : هو الذي يلي أمر الأرواح وله أعوان على ذلك، وقرأ الآية، ثم قال : غير أن ملك الموت هو الرئيس.
وروي عن إبراهيم النخعي ومجاهد وقتادة، أن الأعوان يقبضون الأرواح من الأبدان ثم يدفعونها إلى ملك الموت. وعن الكلبي أن ملك الموت هو الذي يتولى القبض بنفسه ويدفعها إلى الأعوان، فإن كان الميت مؤمنا دفعها إلى ملائكة الرحمة وإن كان كافرا دفعها إلى ملائكة العذاب : أي وهم يتوجهون بالأرواح إلى حيث يوجههم الله بأمره، وعلينا أن نؤمن بذلك ولا نبحث عن كيفيته.
وجاء إسناد التوفي إلى الله في قوله : الله يتوفى الأنفس حين موتها [ الزمر : ٤٢ ] إما لأنه هو الآمر لملك الموت ولأعوانه جميعا بذلك وإما لأنه هو الفاعل الحقيقي والمسخر لملك الموت وأعوانه، فهم لا يعلمون إلا بأمره ولا يتصرفون إلا بتسخيره.
تفسير المراغي
المراغي