ﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣ

قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون ٦٥ وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل ٦٦ لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون ٦٧
ذكر الله تعالى هؤلاء الناس في الآيتين السابقتين ببعض آياته في أنفسهم، ومنته عليهم في وقائع أحوالهم، التي يشعر بها كل من وقعت له منهم، وكونه هو الذي ينجيكم من الظلمات والكروب، والأهوال والخطوب، إما بتسخير الأسباب، وإما بدقائق اللطف والإلهام، ثم قال.
قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض هذا تذكير بقدرته على تعذيبهم، إثر التذكير بقدرته على تنجيتهم، لا فرق فيهما بين أفرادهم وبين مجموعهم وجملتهم، وإنذار بأن عاقبة كفر النعم، أن تزول وتحل محلها النقم. والمعنى قل أيها الرسول لقومك ومن وراءهم من الكافرين بنعم الله، الذين يشركون به سواه، ولا يشكرون له ما من به من النعم وأسداه، ومن الذين يتنكبون سنن الله، ويختلفون في الكتاب بعد أن هداهم به الله : هو الله القادر على أن يثير ويرسل عليكم عذابا تجهلون كنهه فيصبه عليكم من فوقكم، أو يثيره من تحت أرجلكم، أو يلبسكم ويخلطكم فرقا وشيعا، مختلفين على أهواء شتى، كل فرقة منكم تشايع إماما في الدين، أو تتعصب لملك أو رئيس، ويذيق بعضكم بأس بعض، وهو ما عنده من الشدة والمكروه في السلم والحرب، وقال صاحب الكشاف بعد تفسير اللبس بالخلط : ومعنى خلطهم أن ينشب القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال من قوله :

وكتيبة لبستها بكتيبة حتى إذا التبست نفضت لها يدي١
أقول وأصل معنى اللبس التغطية كاللباس وهذا التفرق والاختلاف بين الشيع كالغطاء يستر عن كل شيعة ما عليه الأخرى من الحق، وما في الاتفاق معها من المصلحة والخي.
ولمادة ( ش ي ع ) ثلاث معاني أصلية في اللغة أحدها : الانتشار والتفرق ومنه شاع وأشاع الأخبار وطارت نفسه شعاعا. ثانيها : الإتباع والدعوة إليه ومن الأول تشييع المسافر وتشييع الجنازة ومن الثاني قولهم أشاع بالإبل أي دعاها إذا استأخر بعضها ليتبع بعضها بعضا. ثالثها : التقوية والتهييج ومنه قولهم شيع النار إذا ألقى عليها حطبا يذكيها به، والشياع ( بالفتح والكسر ) ما تضرم به النار، وكل هذه المعاني ظاهرة في الشيع والأحزاب المتفرقة بالخلاف في الدين أو السياسة. وفسر ابن عباس الشيع بالأهواء المختلفة أي أصحابها.
وقد ورد في المأثور تفسير العذاب من فوق بالرجم من السماء أي من جهة العلو – وكان بالطوفان – كما وقع لبعض الأمم القديمة، والعذاب من تحت الأرجل بالخسف والزلازل المعهودة في القديم والحديث، وروي عن ابن عباس أن المراد بالفوق أئمة السوء – أي الحكام والرؤساء – وبالتحت خدم السوء، وفي رواية ( من فوقكم ) يعني أمراءكم ( أو تحت أرجلكم ) يعني عبيدكم وسفلتكم. وهذا معنى صحيح في نفسه ولعل مراد الخبر منه أنه يدخل في عموم ما ترشد إليه الآية، وقيل المراد بالفوق حبس المطر وبالتحت منع الثمرات، وهذا تفسير سلبي والتعبير عنه بالإرسال تعبير عن الشيء بضده فإن الإرسال ضد المنع والإمساك والحبس، ومنه قوله تعالى : وما يمسك فلا مرسل له من بعده [ فاطر : ٢ ] ولما كان لفظ العذاب في الآية نكرة جاز حمله على كل عذاب يأتي من فوق الرؤوس ومن تحت الأرجل أو من رؤساء الناس أو من تحتهم، ولولا أن هذا الإبهام مراد لأجل هذا الشمول لصرح بالمراد كما صرح به في مثل قوله تعالى : أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير [ الملك : ٦ ] وحكمة مثل هذا الإبهام في القرآن أن ينطبق معنى اللفظ على ما يدل عليه مما يحدث في المستقبل أو ينكشف للناس فيه ما كان خفيا عنهم، إذ ورد في وصف القرآن أنه لا تنتهي عجائبه، وأن فيه نبأ من قبل الذين نزل في زمنهم ومن كان معهم ومن يجيء بعدهم.
مثال ما عبر القرآن عنه ولم ينكشف لجمهور الناس انكشافا تاما إلا بعد نزوله بقرون كون الثمار وغيرها أزواجا منها الذكر والأنثى قال تعالى : ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين [ الرعد : ٢ ] وقال ومن كل شيء خلقنا زوجين [ الذاريات : ٤٩ ] وكانوا يحملون الآيات في ذلك على المجاز – وكون الرياح تلقح النبات كما هو صريح قوله تعالى : وأرسلنا الرياح لواقح [ الحجر : ٢٢ ] وقد جعله بعض مفسري السلف تلقيحا مجازيا كقول ابن مسعود رضي الله عنه أنها تلقح السحاب فيدر كما تدر اللقحة٢ نعم قال ابن عباس رضي الله عنه وكذا الحسن : تلقح الشجر وتمري السحاب، ولكن هذا القول المقتبس من التنزيل بنور الفهم الصحيح، لم يزل خفيا في تفصيله حتى عن العرب الذين كانوا يلقحون النخيل – إلى إن اكتشف الناس أعضاء الذكورة والأنوثة في النبات وكونها تثمر بالتلقيح، وكون الرياح تنقل مادة الذكورة من ذكرها إلى أنثاها فتلقحها به، ولما علم الإفرنج بهذا قال بعض المطلعين على القرآن المجيد من المستشرقين منها : إن أصحاب الإبل – يعني العرب – قد عرفوا أن الريح تلقح الأشجار والثمار قبل أن يعرفها أهل أوربة بثلاثة عشر قرنا٣.
ومثال ما عبر القرآن عنه مما يشمل ما لم يكن في زمن تنزيله ولا فيما قبله بحسب ما يعلم البشر هذه الآية التي ظهر تفسيرها في هذا الزمان بهذه الحرب الأوروبية التي لم يسبق لها نظير، فقد أرسل الله على الأمم عذابا من فوقها بما تقذفه الطيارات والمناطيد من المقذوفات النارية التي لم تعرف قبل هذه الحرب فوق مقذوفات المدافع وغيرها مما كان معروفا قبلها ولكن بعد تنزيل الآية – وعذابا من تحتها بما يتفجر من الألغام النارية وبما ترسله المراكب الغواصة في البحر، التي اخترعت في هذا العصر، ولبسها شيعا وأذاق بعضها بأس بعض، فحل بها من التقتيل والتخريب ما لم يعهد له نظير في الأرض، وقد شرحنا هذا في مقالة نشرناها في المنار. ولا شك في أن دلالة الآية على هذه المخترعات مراد، لأن الله تعالى منزل القرآن هو علام الغيوب. وفي الحديث المرفوع ما يشير إلى ذلك، فقد روى أحمد والترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية قل هو القادر – إلى آخرها فقال :« أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد » ويقويه ما ورد في تطبيقها على أمتنا، لأنه سنة الله في أهل الكتاب من قبلنا، كما يأتي قريبا.
انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون ( ٦٥ ) أي انظر بعين عقلك أيها الرسول – ومثله في هذا كل مخاطب بالقرآن – كيف نصرف الآيات والدلائل فنجعلها على أنحاء شتى، منها ما طريقه الحس ومنها ما طريقه العقل، ومنها ما طريقه علم الغيب، لعلهم يفقهون الحق، ويدركون كنه الأمر، فإن الفقه هو فهم الشيء بدليله وعلته، المفضي إلى الاعتبار والعمل به، وإنما يرجى تحصيله بتصريف الآيات، وتنويع البينات.
فعلم مما تقدم أن هذه الآية عامة وإن نزلت في سياق إنذار مشركي مكة وإقامة الحجة عليهم، فالعبرة فيها كغيرها بعموم اللفظ لا بخصوص السبب أو مقتضى السياق كما تقرر في الأصول، وقد جهل هذا بعض المعممين فأنكروا علينا منذ أول العهد بإنشاء ( المنار ) ما كنا نورده في سياق تذكير المسلمين، من الآيات التي نزلت في المشركين والمنافقين، ومما يؤيد مسلكنا هذا ما رواه البخاري والنسائي في تفسير هذه الآية من حديث جابر قال : لما نزلت هذه الآية قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« أعوذ بوجهك » قال : أو من تحت أرجلكم قال :« أعوذ بوجهك » أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« هذا أهون أو هذا أيسر » هذا لفظ البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، ووقع في كتاب الاعتصام منه « هاتان أهون أو أيسر »٤ – والشك من الراوي.
وإنما كانت خصلتا اللبس وإذاقة البأس أهون أو أيسر لأن المستعاذ منه قبلها هو عذاب الاستئصال بإحدى الخصلتين الأوليين بأن لا يبقى من الأمة أحد. ويدل على ذلك أحاديث متعددة منها حديث ابن عباس عند أبي بكر بن مردويه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :« دعوت الله أن يرفع عن أمتي أربعا فرفع عنهم اثنتين وأبى أن يرفع عنهم اثنتين : دعوت الله أن يرفع عنهم الرجم من السماء والخسف من الأرض وأن لا يلبسهم شيعا ولا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع عنهم الخسف والرجم وأبى أن يرفع الآخرين » وفي رواية أخرى عنده عنه – أي ابن عباس – قال : لما نزلت هذه الآية قل هو القادر... قام النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ ثم قال :« اللهم لا ترسل على أمتي عذابا من فوقهم ولا من تحت أرجلهم ولا تلبسهم شيعا ولا تذق بعضهم بأس بعض » قال فأتاه جبريل فقال : يا محمد قد أجار الله أمتك أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم، أي ولم يجرهم من العذابين الآخرين لأنه لا بد أن يتبعوا سنن من قبلهم من أهل الكتاب، ويحل ما حل بهم من عذاب التفرق والخلاف. وذلك مقتضى سنته تعالى في عقاب أتباع الرسل يختلفون في الدين الجامع لكلمتهم فيكونون مذاهب وشيعا، ويتبع ذلك اختلافهم في السلطة والسياسة أو يتقدمه، ويترتب عليه التخاصم والاقتتال الذي نعهده، وهذا معنى قضاء الله في حديث ثوبان الذي يأتي قريبا.
وروى أبو الشيخ عن مجاهد في تفسير الآية أن هذا العذاب عذاب أهل الإقرار وأن العذاب الأول عذاب أهل التكذيب. وأوضح منه ما رواه ابن جرير عن الحسن قال لما نزلت هذه الآية قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ فسأل ربه أن لا يرسل عليهم عذابا من فوقهم أو من تحت أرجلهم ولا يلبس أمته شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض كما أذاق بني إسرائيل : فهبط إليه جبريل فقال : يا محمد إنك سألت ربك أربعا فأعطاك اثنتين. ومنعك اثنتين : لن يأتيهم عذاب من فوقهم ولا من تحت أرجلهم يستأصلهم فإنهما عذابان لكل أمة اجتمعت على تكذيب نبيها ورد كتاب ربها، ولكنه يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض. وهذان عذابان لأهل الإقرار بالكتب والتصديق بالأنبياء ولكن يعذبون بذنوبهم. وأوحى الله إليه فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون [ الزخرف : ٤١ ] يقول من أمتك أو نرينك الذي وعدناهم [ الزخرف : ٤٢ ] من العذاب وأنت حي فإنا عليهم مقتدرون [ الزخرف : ٤٢ ] فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم فراجع ربه فقال :« أي مصيبة أشد من أرى أمتي يعذب بعضها بعضا » ؟ وأوحى إليه ألم، أحسب الناس أن يتركوا [ القصص : ١، ٢ ] فأعلمه أن أمته لم تخص دون الأمم بالفتن وأنها ستبتلى كما ابتليت الأمم، ثم أنزل عليه قل رب إما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين [ المؤمنون : ٩٣، ٩٤ ] فتعوذ نبي الله فأعاذه الله، لم ير من أمته إلا الجماعة والألفة والطاعة، ثم أنزل عليه آية حذر فيها أصحاب الفتنة فأخبره أنه إنما يخص بها ناس منهم دون ناس فقال : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب [ الأنفال : ٢٥ ] فخص بها أقواما من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بعده وعصم بها أقواما اه.
وقد وفى الحسن رحمه الله المسألة حقها من البيان بذكر ما يتعلق بها وإن نزل بعدها بسنين كآية الأنف
١ يروي البيت:
وكتيبة لبسها بكتيبة كالعائل الثريان أشرق في الندي
والبيت من الكامل، وهو لأبي بكر في كتاب الجيم ٢/٢٤٣، وفي رواية أخرى.
وكتيبة لبستها بكتيبة فيها السنور والمغافر والقنا
والبيت من الكامل، وهو للأسعر الجعفي في الأصمعيات ص ١٤٢، وتاج العروس (لبس)..

٢ اللقحة، بالفتح: الناقة ذات اللبن..
٣ نقل ذلك السيد محمد بيروم الخامس في مقدمة صفوة الاعتبار عن مستر جتيري الإنكليزي معلم العربية في مدرسة أكسفورد الجامعة (المؤلف)..
٤ أخرجه البخاري في تفسير سورة ٦، باب ٢، ٣، والاعتصام باب ١١، والتوحيد باب ١٠، ١٦..

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير