وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ كُفْرِ الْمُشْرِكِينَ وَعِنَادِهِمْ وَمُكَابَرَتِهِمْ لِلْحَقِّ وَمُبَاهَتَتِهِمْ وَمُنَازَعَتِهِمْ فِيهِ: وَلَوْ نزلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ أَيْ: عَايَنُوهُ، وَرَأَوْا نُزُولَهُ، وَبَاشَرُوا ذَلِكَ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مُكَابَرَتِهِمْ لِلْمَحْسُوسَاتِ: وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [الْحِجْرِ: ١٤، ١٥] وَقَالَ تَعَالَى: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ [الطَّوْرِ: ٤٤].
وَقَالُوا لَوْلا أُنزلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [أَيْ: فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا] (١) قَالَ اللَّهُ: وَلَوْ أَنزلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ أَيْ: لَوْ نَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ لَجَاءَهُمْ مِنَ اللَّهِ الْعَذَابُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: مَا نُنزلُ الْمَلائِكَةَ إِلا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ [الْحِجْرِ: ٨]، [وَ] (٢) قَالَ تَعَالَى: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ [وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا] (٣) [الْفَرْقَانِ: ٢٢].
وَقَوْلُهُ: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ أَيْ: وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَعَ الرَّسُولِ البَشَرِيّ مَلَكًا، أَيْ: لَوْ بَعَثْنَا إِلَى الْبَشَرِ رَسُولًا مَلَكِيًّا (٤) لَكَانَ عَلَى هَيْئَةِ رَجُلٍ لتُفْهَم (٥) مُخَاطَبَتُهُ وَالِانْتِفَاعِ بِالْأَخْذِ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَالْتَبَسَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ كَمَا يَلْبِسُونَ (٦) عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي قَبُولِ رِسَالَةِ الْبَشَرِيِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنزلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولا [الْإِسْرَاءِ: ٩٥]، فَمِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ (٧) تَعَالَى بِخَلْقِهِ أَنَّهُ يُرْسِلُ إِلَى كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الخلائق
(٢) زيادة من أ.
(٣) زيادة من م، أ، وفي هـ: "الآية".
(٤) في م: "ملكا"
(٥) في د، م: "ليمكنهم".
(٦) في د، م: "كما هم يلبسون".
(٧) في أ، م: "فمن رحمته".
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة