إذن فلو أراد الله أن يبعث رسولا من ملائكة لجعله على هيئة البشر لعدم استطاعتهم معاينة الملك على صورته الأصلية، وقد يهلكون عند رؤيته وللبسنا عليهم ما يلبسون أي ولخلطنا عليهم بتمثيلية رجلا ما يخلطون هم على أنفسهم فإنهم سيقولون – حينئذ – إنما أنت بشر ولست بملك، وقد أنزل الله الملك على صورة البشر كما حدث مع خليل الله إبراهيم عليه السلام يقول تعالى :
ونبئهم عن ضيف إبراهيم ( ٥١ ) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون ( ٥٢ ) قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم ( ٥٣ ) ( سورة الحجر ).
لقد أنزل الله الضيف من الملائكة على إبراهيم عليه السلام فخاف منهم بعد أن قرب العجل ورآهم لا يأكلون إلى أن قالوا له ما يطمئنه من خبر ببشارة من الله، بأن يولد له الغلام إسحاق من زوجته ( سارة ) بعد أن رزقه الله من قبل إسماعيل من ( هاجر ). وكذلك أنزل الحق إلى مريم البتول ملكا وتمثل لها بشرا سويا لينبئها بحملها بعيسى عليه السلام. إذن فالملك يتجسد في صورة بشرية عندما يرسله الله في مهمة إلى البشر ؛ لأن الملك لا يأتي إلى البشر على حقيقته. ومن امتنان الله على رسوله أنه أعطى له فرصة ليرى جبريل على حقيقته مرة عند سدرة المنتهى، ومرة حين تجسد له على هيئة دحية الكلبي مرة في صفة رجل مسافر جاء يسأل الرسول عن الإسلام والإيمان، وحدثنا عنه عبد الله بن عمر قائلا :
( حدثني أبي عمر بن الخطاب قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه. قال : يا محمد، أخبرني عن الإسلام ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال : صدقت. قال : فعجبنا له يسأل ويصدقه. قال : فأخبرني عن الإيمان ؟ قال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال : صدقت. قال : فأخبرني عن الإحسان ؟ قال : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال : فأخبرني عن الساعة ؟ قال : ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال : فأخبرني عن أمارتها ؟ قال : أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال : ثم انطلق فلبثت مليا ثم قال لي : يا عمر أتدري من السائل ؟ قلت : الله ورسوله أعلم. قال : فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم )(١).
إذن، فنحن ببشريتنا لا نستطيع رؤية الملك إلا بعد أن يجسده الله بشرا. ولذلك قال الحق : ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون إذن فاللبس موجود بدليل أن الله أرسل الملائكة في صورة بشر لإبراهيم عليه السلام ومريم ابنة عمران ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو جالس بين قومه.
تفسير الشعراوي
الشعراوي