قوله : وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً أي لو جعلنا الرسول إلى النبيّ ملكاً يشاهدونه، ويخاطبونه، لجعلنا ذلك الملك رجلاً، لأنهم لا يستطيعون أن يروا الملك على صورته التي خلقه الله عليها إلا بعد أن يتجسم بالأجسام الكثيفة المشابهة لأجسام بني آدم ؛ لأن كل جنس يأنس بجنسه، فلو جعل الله سبحانه الرسول إلى البشر، أو الرسول إلى رسوله، ملكاً مشاهداً مخاطباً لنفروا منه ولم يأنسوا به، ولداخلهم الرعب وحصل معهم من الخوف ما يمنعهم من كلامه ومشاهدته، هذا أقلّ حال فلا تتمّ المصلحة من الإرسال.
وعند أن يجعله الله رجلاً، أي على صورة رجل من بني آدم، ليسكنوا إليه ويأنسوا به، سيقول الكافرون إنه ليس بملك وإنما هو بشر، ويعودون إلى مثل ما كانوا عليه.
قوله : وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَا يَلْبِسُونَ أي لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم ؛ لأنهم إذا رأوه في صورة إنسان قالوا هذا إنسان وليس بملك، فإن استدل لهم بأنه ملك كذبوه قال الزجاج : المعنى للبسنا عليهم، أي على رؤسائهم كما يلبسون على ضعفتهم، وكانوا يقولون لهم : إنما محمد بشر وليس بينه وبينكم فرق. فيلبسون عليهم بهذا ويشككونهم، فأعلم الله عزّ وجلّ أنه لو نزل ملكاً في صورة رجل، لوجدوا سبيلاً إلى اللبس كما يفعلون. واللبس : الخلط، يقال لبست عليه الأمر ألبسه لبساً، أي خلطته، وأصله التستر بالثوب ونحوه.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله : فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ قال : فمسوه ونظروا إليه لم يصدقوا به.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن محمد بن إسحاق قال : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى الإسلام، وكلمهم فأبلغ إليهم فيما بلغني، فقال له زمعة بن الأسود بن المطلب، والنضر بن الحارث بن كلدة، وعبدة بن عبد يغوث، وأُبيّ بن خلف بن وهب، والعاص بن وائل بن هشام : لو جعل معك يا محمد ملك يحدّث عنك الناس ويرى معك، فأنزل الله : وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَك الآية. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله : وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَك قال : ملك في صورة رجل وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأمر لقامت الساعة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله : لَقُضِيَ الأمر يقول : لو أنزل الله ملكاً ثم لم يؤمنوا لعجل لهم العذاب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس في قوله : وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً قال : ولو أتاهم ملك في صورته لَقُضِيَ الأمر لأهلكناهم ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ لا يؤخرون وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً يقول : لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل. لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة وللبسنا عليهم ما يلبسون يقول : لخلطنا عليهم ما يخلطون. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله : ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا قال في صورة رجل في خلق رجل.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله : وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً يقول : في صورة آدميّ. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم يقول : شبهنا عليهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي في الآية قال : شبهنا عليهم ما يشبهون على أنفسهم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن محمد بن إسحاق قال : مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني بالوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، وأبي جهل بن هشام فهمزوه واستهزأوا به فغاظه ذلك، فأنزل الله : وَلَقَدِ استهزىء بِرُسُلٍ من قَبْلِكَ فَحَاقَ بالذين سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئونَ .
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني