ﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨ ﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙ

كبير فى النفوس تخفف من غلواء الناس وتقلل من بطشهم وعتوهم، وفى المشاهدة أكبر دليل على صحة ذلك.
انظر إلى ما فعلته الحرب العظمى الثانية فى نفوس الشعوب فى الشرق والغرب، فإنه قد نشأ بعدها جيل أقل بطرا وانغماسا فى الشهوة والترف وما ينشأ عنهما من الفسق والفجور من سابقه، وكذلك فى حسن معاملة الناس بعضهم لبعض وحفظ الحقوق والمساواة فيها.
ولا يعلم إلا الله ما ستنتهى إليه تلك الحرب الضروس الدائرة رحاها الآن ولا ما ستتمخض عنه من الحوادث الجسام فى مستقبل الأمم والشعوب، ولا ما سيكون لها من التأثير فى النظم الاجتماعية والاقتصادية والصلات والروابط بين بعض الأمم وبعض.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٧ الى ٩]
وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (٩)
تفسير المفردات
الكتاب: الصحيفة المكتوبة ومجموعه الصحف فى غرض واحد، والقرطاس (مثلث القاف) الورق الذي يكتب فيه، واللمس كالمس: إدراك الشيء بظاهر البشر وقد يستعمل بمعنى طلب الشيء والبحث عنه، ويقال لمسه والتمسه وتلمسه، ومنه «أَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ» وسحر: أي خداع وتمويه يرى ما لا حقيقة له فى صورة الحقائق، لقضى الأمر أي لتم أمر هلاكهم، لا ينظرون أي لا يمهلون، اللبس: الستر والتغطية

صفحة رقم 77

يقال لبس الثوب يلبسه (بكسر الباء فى الأول وفتحها فى الثاني) ولبس الحق بالباطل يلبسه (بفتح الباء فى الأول وكسرها فى الثاني) بمعنى ستره به، أي جعله مكانه ليظن أنه الحق، ولبست عليه أمره أي جعلته بحيث يلتبس عليه فلا يعرفه.
المعنى الجملي
بعد أن أرشد سبحانه فى الآيات المتقدمة إلى ما دعا إليه الرسول ﷺ من التوحيد والبعث، ثم ذكر بعدها الأسباب التي دعت قريشا إلى التكذيب، وأنذرهم عاقبة هذا التكذيب بما يحلّ بهم من عذاب الله فى الدنيا والآخرة، وأنه لا يحول دونه ما هم فيه من قوة وضعف الرسول صلى الله عليه وتمكنهم فى مكة وهى أم القرى، وأهلها القدوة والسادة بين العرب.
ذكر هنا شبهات أولئك الجاحدين المعاندين على الوحى وبعثة الرسول، وبهاتم بيان أسباب جحودهم وإنكارهم لأصول الدين الثلاثة (التوحيد والبعث ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم).
روى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق سبب نزول الآية الثانية قال «دعا رسول الله ﷺ قومه إلى الإسلام وكلمهم فأبلغ إليهم، فقال له زمعة بن الأسود بن المطلب والنضر بن الحارث بن كلدة وعبدة بن عبد يغوث وأبيّ بن خلف والعاصي بن وائل بن هشام: لو جعل معك يا محمد ملك يحدّث عنك الناس ويرى معك- فأنزل الله في ذلك: - وقالوا لولا أنزل عليه ملك».
ورجح بعضهم أن هذا السبب لا يصح فى هذه الآية، لأن اقتراح المعاندين من المشركين إنزال الملك مع الرسول مذكور فى سور من القرآن أنزلت قبل هذه السورة فما فيها إنما هورد على شبهة سبقت وحكيت عنهم، وكذلك اقتراح إنزال كتاب من السماء وإنزال القرآن جملة واحدة مذكور فى سورة الفرقان.

صفحة رقم 78

الإيضاح
كان الرسول ﷺ يعجب من كفر قومه به وبما أنزل عليه مع وضوح برهانه وإظهار إعجازه وكان يضيق صدره لذلك ويبلغ منه الحزن والأسف كل مبلغ كما قال فى سورة هود «فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ».
فبين الله أسباب ذلك ومناشئه من طباع البشر وأخلاقهم، ليعلم أن الحجة مهما تكن ناهضة فإنها لا تجدى إلا عند من كان مستعدا لها وزالت عنه موانع الكبر والعناد، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة:
(وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) أي إن علة تكذيبهم بالحق هى إعراضهم عن الآيات وإقفال باب النظر والاستدلال لإخفاء الآيات فى أنفسها وقوة الشبهات التي تحوم حولها، فلو أننا نزلنا عليك كتابا من السماء فى قرطاس فرأوه نازلا فيها بأعينهم ولمسوه عند وصوله إلى الأرض بأيديهم لقال الذين كفروا منهم: ما هذا الذي رأيناه ولمسناه إلا سحر بيّن فى نفسه، وإنما خيل إلينا أننا رأينا كتابا ولمسناه، وما ثمّ كتاب نزل ولا قرطاس رئى ولا لمس، وتلك مقالة أمثالهم فى آيات الأنبياء من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا...
وإنما قال لمسوه بأيديهم، ليبين أن المراد باللمس المعنى الأول لا الثاني الذي بيناه فيما سلف، ومن ثمّ قال قتادة: فعاينوه ومسّوه بأيديهم. وقال مجاهد فمسّوه ونظروا إليه واللمس أقوى اليقينيات الحسية وأبعدها عن الخداع، لأن البصر يخدع بالتخيل، وجاء فى سورة الحجر: «وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ [حبست ومنعت] أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ».

صفحة رقم 79

(وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ) كان لكفار مكة اقتراحان تقدموا بهما إلى النبي ﷺ فى مواطن مختلفة:
(١) أن ينزل على الرسول ملك من السماء يكون معه نذيرا يرونه ويسمعون كلامه، وإلى هذا تشير الآية.
(٢) ينزل الملك عليهم بالرسالة من ربهم.
والاقتراح الأول مبنى على اعتقاد أن أرقى البشر عقلا وأخلاقا وآدابا وهم الرسل عليهم السلام ليسوا بأهل لأن يكونوا رسلا بين الله وبين عباده، لأنهم بشر يأكلون ويشربون كما جاء فى سورة المؤمنون «وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا: ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ. وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ» :
وقد رد الله تعالى الاقتراحين من وجهين:
(١) (وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ) أي ولو أنزلنا ملكا كما اقترحوا لقضى الأمر بإهلاكهم ثم لا يؤخرون ولا يمهلون ليؤمنوا، بل يأخذهم العذاب عاجلا كما مضت به سنة الله فيمن قبلهم، قال ابن عباس: ولو أتاهم ملك فى صورته لأهلكناهم ثم لا يؤخرون.
(٢) (وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ) أي ولو جعل الرسول ملكا لجعل متمثلا فى صورة بشر ليمكنهم رؤيته وسماع كلامه الذي يبلّغه عن ربه، ولو جعله ملكا فى صورة بشر لاعتقدوا أنه بشر لأنهم لا يدركون منه إلا صورته وصفاته البشرية التي تمثّل بها، وحينئذ يقعون فى نفس اللبس والاشتباه الذي يلبسون على أنفسهم باستنكار جعل الرسول بشرا، ولا ينفكون يقترحون جعله ملكا

صفحة رقم 80

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

أحمد بن مصطفى المراغي

الناشر شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده بمصر
الطبعة الأولى، 1365 ه - 1946 م
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية