وهذا نَوْعٌ خَامِسٌ من الدَّلائِل على كمال قُدْرَتِهِ تعالى وعلمه وحكمته وحرمته وإحسانه إلى خَلقِهِ.
قوله: «فَأخْرَجْنَا» فيه التِفَاتٌ من غيبة إلى تَكَلُّم بنون العظمة والباء في «به» للسَّببية.
وقوله: «نَبَات كُلِّ شَيْءٍ» قيل: المراد كُلّ ما يسمّى نباتاً في اللغة.
قال الفراء: «رزق كل شيء، أي: ما يصلح أن يكون غِذَاءً لكل شَيءٍ، فيكون مَخْصُوصاً بالمتغذى به».
وقال الطَّبري: «هو جميع ما يَنْمُوا من الحيوان والنبات والمعادن؛ لأن كل ذلك يَتَغَذَّى بالماء».
ويترتب على ذلك صِنَاعَةٌ إعرابية وذلك أنَّا إذا قُلْنَا بقول غير الفراء كانت الإضافة رَجِعَةٌ في المعنى إلى إضافة شبه الصفة لموصوفها، إذ يصير المعنى على ذلك: فَأخْرَجْنَا به كُلَّ مُنْبَتٍ، فإن النبات بمعنى المُنْبَتِ، وليس مصدراً كهو في أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض [نوح: ١٧] وإذا قلنا بقول الفراء: كانت الإضافة إضافة بين مُتباينين؛ إذ يصير المعنى غذاء كل شيء أو رزقه، ولم ينقل أبو حيان عن الفراء غير هذا القول والفرَّاء له في هذه الآية القَولانِ المُتقدَّمان، فإن قال: «رزق كل شيء» قال: وكذا جاء في التفسير، وهو وَجْهُ الكلام، وقد يجوز في العربية أن تضيف النبات إلى كُلّ شيء، وأنت تريد بكُلِّ شيء النَّبَات أيضاً، فيكون مثل قوله: «حَقّ اليَقينِ واليقين هو الحق».
فصل في دحض شبه للمعتزلة
هذه الآيةُ تقتضي نُزُولَ المَطَرِ في السماء.
قال الجُبَّائِيُّ: إن الله - تبارك وتعالى - ينزل الماء من السَّماء إلى السحاب، ومن السحاب إلى الأرض لظاهر النَّصِّ قال بعض الفَلاسِفَةِ: إن البُخَارَاتِ الكثير تجتمع في بَاطِنِ الأرض، ثم تَصْعَدُ، وترتفع إلى الهواء، فينعقد الغَيْمُ منها، ويَتَقَاطَرُ، وذلك هو المَطَرُ، فقيل: المراد أنزل من جانب السماء ماءً.
وقيل: ينزل من السحاب، وسمي السحاب سماء؛ لأن العربَ تُسَمَّى كل ما فَوْقَكَ سماء كسماءِ البيت.
ونقل الواحديُّ في «البسيط» عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - يريد بالماء هاهُنَا المَطَرَ، ولا تنزل نقطة من الماء إلا ومعها مَلَكٌ.
قوله: فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ يَدُلُّ على أنَّ إخْراجَ النَّباتِ بواسطة الماء، وذلك يوجب القَوْلَ بالطَّبع، والمتكلمون ينكرونه.
قال الفراء: هذا الكلام يَدُلُّ على أنه أخرج به نبات كل شيء، وليس الأمر كذلك، وكأن المراد: فأخرجنا [به نبات كل شيء له نبات، وإذا كان كذلك فالذي لا نبات له لا يكون داخلاً فيه وقوله: «فأخرجنا» ] بعد قوله: «أنزل» فيه الْتِفَاتٌ، وهو من الفَصَاحةِ مذكور في قوله تبارك وتعالى: حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم [يونس: ٢٢].
وقوله تبارك وتعالى: «فأخْرَجْنَا» هذه النون تمسى نون العَظَمَةِ لا نون الجمع كقوله:
إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً [نوح: ١] إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر [الحجر: ٩] إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر [القدر: ١] صفحة رقم 318
قوله: «فَأخْرَجْنَا مِنْهُ» في الهاء وجهان:
أحدهما: أن يعود على النَّبَاتِ، وهو الظاهر، ولم يذكر الزمخشري غيره، وتكون «من» على بابها من كونها لابتداء الغاية، أو تكون «من» للتبعيض، وليس كذلك.
والثاني: يَعودُ على الماء، وتكون «من» سَبَبِيَّةً.
وذكر أبو البقاء - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى - الوَجْهَيْنِ، فقال: «فَأخْرَجْنَا مِنْهُ» أي: بسببه، ويجوز أن تكون الهاء في «منه» راجعةً علىلنبات، وهو الأشبه، وعلى الأول يكون «فأخْرَجْنَا» بدلاً من «أخْرَجْنَا» الأول أي: أنه يكتفي في المعنى بالإخبار بهذه الجملة الثانية، وإلا فالبدلُ الصناعي لا يظهر، فالظاهر أن «فأخرجنا» عطف على «فأخرجنا» الأول.
وقال أبو حيان: وأجاز أبو البقاء - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى - أن يكون بدلاً من «فأخرجنا».
قلت: إنما جعله بَدَلاً بِنَاءً على عَوْدِ الضمير في «منه» على الماء فلا يَصِحُّ أن يحكى عنه أنه جَعَلَهُ بدلاً مطلقاً؛ لأن البدليَّة لا تتصَوَّرُ على جعل الهاء في «منه» عائدةً على النبات، والخَضِرٌ بمعنى الأخْضَر ك «عَوِر» و «أعور».
قال أبو اسحاق: يقال: أخضر يخضر فهو خضر وأخضر ك «أعور» فهو عَوِر وأعور.
والخُضْرَة أحد الألوان، وهو بين البياض والسواد ولكنها إلى السَّوادِ أقرب، وكذلك أطْلِقَ الأسود على الأخضر، وبالعكس، ومنه «سواد العراق» لِخُضْرَةِ أرضه بالشجر، وقال تبارك وتعالى: مُدْهَآمَّتَانِ [الرحمن: ٦٤] أي: شَديدتَا السواد لريِّهِمَا، والمُخاضَرَةُ مُبايَعَةُ الخُضَرِ والثمار قبل بلوغها، والخضيرة: نخلة ينتثر بُسْرُهَا أخضر.
وقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إيَّاكُمْ وخَضْرَاءَ الدِّمَنِ» فقد فَسَّرَهُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بقوله: «المَرْأةُ الحَسْنَاءُ في المَنْبَتِ السُّوءِ» والدِّمنُ: مَطَارحُ الزِّبَالَةِ، وما يُسْتَفْذّرُ، فقد يَنْبُت منها ما يَسْتَحْسِنُهُ الرائي.
قال اللَّيْثُ: الخضر في كتاب الله الزَّرْعُ والكلأ، وكل نبت من الخضر.
وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يريد القمح والشعير والسلت والذرة والأرز، والمراد بهذا الخضر العود الأخضر الذي يخرج أوّلاً، وتكون السُّنْبُلَةُ مركبةً عليه من فوقه
قوله: «نُخْرِجُ مِنْهُ» أي: من الخضر.
والجمهور على «نخرج» مُسْنَداً إلى ضمير المعظم نفسه.
وقرأ ابن محيصن والأعمش: «يخرج» بياء الغيبة مبنياً للمفعول و «حَبٌّ» قائم مقام فاعله، وعلى كلتا القراءتين تكون الجملة صفةً ل «خَضِراً» وهذا هو الظاهر، وجوّزوا فيها أن تكون مُسْتَانَفَةً، و «متراكب» رفعاً ونصباً صفة ل «حب» بالاعتبارين، والمعنى أن تكون الحبَّات متراكبةً بعضها فوق بعض، مثل [سَنَابِلِ] البُرِّ والشعير والأرز، وسائر الحبوب، ويحصل فوق السُّنْبُلَةِ أجسام دقيقة حادة كأنها الإبَرُ، والمقصود [من تخليقها مَنْعُ الطير من التِقَاطِ تلك الحبَّاتِ المتراكبة.
قوله: وَمِنَ النخل مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ يجوز في هذه الجملة أوجه:]
أحسنها: أن يكون «من النخل» خبراً مقدماً، و «من طلعها» بدل بعض من كل بإعادة العامل، فهو كقوله تعالى: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر [الأحزاب: ٢١].
و «قِنْوَانٌ» مبتدأ مؤخر، وهذه الجملة ابتدائية عطفت على الفعلية قبلها.
الثاني: أن يكون «قِنْوان» فاعلاً بالجار قبله، وهو «من النخل» و «من طلعها» على ما تقدَّم من البدليَّة، وذلك على رأي الأخفش.
الثالث: أن تكون المسألةُ من باب التَّنَازُعِ، يعني أن كلاَّ من الجارَّيْنِ يطلب «قنوان» على أنه فاعل على رأي الأخفش، فإن أعملت الثاني، وهو مختار قول البصريين أضمرت في الأوّل، وإن أعملت الأوَّل كما هو مختار قول الكوفيين أضمرت في الثاني.
قال أبو البقاءِ: والوجه الآخر أن يرتفع «قنوان» على أنه فاعل «من طلعها» فيكون في «من النخل» ضمير يفسره «قنوان» وإن رفعت [ «قنوان» ] بقوله: «ومن النخل» على قول من أمعلم أول الفعلين جاز، وكان في «من طلعها» ضمير مرفوع قلت: فقد أشار بقوله: على أنه فالع «من طلعها» إلى إعمال الثاني.
الرابع: أن يكون «قنوان» مبتدأ، و «من طلعها» الخبر، وفي «من النخل» ضمير، تقديره ونبت من النخل شيء أو ثمر، فيكون «من طلعها» بدلاً منه. قاله أبو البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ، وهذا كلام لا يصيح؛ لأنه بعد أن جعل «من طعلها» الخبر، فكيف يجعله بدلاً؟ فإن قيل: يجعله بدلاً منه؛ لأن «من النخل» خبر للمبتدأ.
فالجواب: أن قد تقدَّم هذا الوجه، وجعله مقابلاً لهذا، فلا بد أن يكون هذا غيره، فإنه قال قبل ذلك: وفي رفعه وجهان:
أحدهما: هو مبتدأ، وفي خبره وجهان:
أحدهما: هو «من النخل»، و «من طلعها» بدل بإعادة الجار.
قال أبو حيان: وهذا إعراب فيه تخليط.
الخامس: أن يكون مبتدأ محذوف الخبر لدلالة «أخرجنا» عليه، تقديره: ومخرجه من طلع النخل «قنوان». هذا نص الزمخشري، وهو كما قال أبو حيان لا حاجة إليه؛ لأن الجملة مُسْتَقِلَّةٌ في الإخبار بدونه.
السادس: أن يكون «من النخل» متعلقاً بفعل مقدر، ويكون «من طلعها قنوان» جملة ابتدائية في موضع المفعول ب «نخرج» وإليه ذهب ابن عطية، فإنه قال: «ومن النخل» تقديره: نخرج من النخل «، و» من طلعها قنوان «ابتداء خبر مقدم، والجملة موضع المفعول ب» نخرج «.
قال الشيخ: وهذا خطأ؛ لأن ما يتعدى إلى مفعول واحد لا تقع الجملة في موضع مفعوله إلا إذا كان الفعل مما يعلق، وكان في الجلمة مَانِعٌ من العمل في شيء من مفرداتها على ما شرح في النحو، و «نخرج» ليس مما يعلّق، وليس في الجملة ما يمنع من العمل في مفرداتها؛ إذ لو سُلِّطَ الفعل على شيء من مفردات الجملة لكان التركيب: ويخرج من النخل من طلعها قنوان [بالنصب مفعولاً به.
وقال أبو حيَّان: ومن قرأ «يخرج منه حبّ متراكب» جاز أن يكون قوله «ومن النخل من طلعها قنوان» ] معطوفاً عليه نحو: ضرب في الدار زيد وفي السوق عمرو أي: إنه يعطف «قنوان» على حب «ومن النخل» على «منه»، ثم قال: «وجاز أن يكون مبتدأ وخبراً وهو الأوجه».
والقنوان جمع ل «قِنْو»، كالصِّنْوَان جمع ل «صِنُو» والقِنْو: العِذْق بكسر العين وهو عُنْقُودُ النخلة، ويقال له: الكِبَاسَةُ.
قال امرؤ القيس: [الطويل]
| ٢٢٦٨ - وَفَرْع يُغَشِّي المَتْنَ أسْوَدَ فَاحِمٍ | أثِيثٍ كَقِنُوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ |
| ٢٢٦٩ - سَوَامِقُ جَبَّارٍ أثِيثٍ فُرُوُعُهُ | وعَالَيْنَ قِنْوَاناً مِنَ البُسْرِ أحْمَرَا |
قال أبو علي: الكسرة التي في قنوان ليست التي في «قِنْو» ؛ لأن تلك حذفت في التكسير، وعاقبتها كسرة أخرى كما قُدِّرَ تَغَيُّرُ كسرة «هِجَان» جمعاً عن كَسْرته مفرداً، فكسرة «هجان» جمعاً ككسرة «ظِرَاف».
قال الواحدي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وهذا مما تُوَضِّحُهُ الضمة في آخر «منصُور» على قول من قال «يا حارُ» يعني بالضمة ليست التي كانت فيه في قول من قال: «يا حَار» يعين بالكسر.
وفي لقات:
فَلُغَةُ «الحجاز» : قِنْوان «بكسر القاف، ويه قراءة الجمهور وقرأ الأعمش، والحباب عن أبي عمرو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -، والأعرج بضمها، ورواها السمي عن علي بن أبي طَلْحَةَ، وهي لغة» قَيْس «.
ونقل ابن عطية عكس هذا، فجعل الضم لغة» الحجاز «، فإنه قال:» وروي عن اعرج ضم القاف على أنه جع «قُنْو» بضم القاف «.
قال الفراء:» وهي لغة «قيس»، وأهل «الحجاز»، والكسر أشهر في العرب «.
واللغة الثالثة «قَنْوَان» بفتح القاف، وهي قراءة ابي عمرو - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى - في رواية هارون عنه، وخرَّجها ابن جني على أنها اسم جمع «قنو» لا جمعاً؛ إذ ليس في صِيَغِ الجمنع ما هو على وَزْن «فَعْلان» بفتح الفاء، ونظَّره الزمخشري ب «رَكْب»، وأبو البقاء - رَحِمَهُ اللَّهُ ب «الباقر»، وتنظير أبي البقاء أوْلَى؛ لأنه لا خلاف في «الباقر» أنه سام جمع، وأما «رَكْب» فيه خلاف لأبي الحسن مشهور، ويَدُلُّ على ذلك أيضاً شيء آخر وهو أنه قد سمع في المفرد كسر القاف، وضمها، فجاء الجمع عليهما، وأما الفتح فلم يَرِدْ في المفرد.
واللغة الرابعة «قنيان» بضم القاف مع الياء دون الواو.
والخامسة: «قِنْيان» بكسر القاف مع الياء أيضاً، وهاتان لغتا «تميم» و «ربيعة».
وأما المفرد فلا يقولونه بالياء أصلاً، بل بالواو، سواء كسروا القاف أو ضموها، فلا يقولون إلا قِنْواً وقُنْواً، ولا يقولون: قِنِياً ولا قُنْياً، فخالف الجمع مفرده في الماة، وهو صفحة رقم 322
غريب، واختلف في مدلول «القِنْو» ؛ فقيل: هو الجُمَّار، وهذا يكاد يكون غَلَطاً، وكيف يوصف بكونه دانياً؛ أي: قريب الجَنَى والجُمَّارُ إنما هو في قَلْبِ النخلة؟ والمشهور أنه العِذْقُ كا تقدم ذلك.
وقال ابن عباس: يريد العراجينَ الَّتي قد تدلّت من الطلع دَانِيَةً ممن يَجْتَنيها.
وروي عنه أنه قال قصار النخل اللاصقة عُذُوقها بالأرض.
قال الزجاج ولم يقل: ومنها قنوان بعيدة؛ لأن ذِكْرَ أحد القسمين يَدُلُّ على الثاني، لقوله: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر [النحل: ٨١]، ولم يقل: سرابيل تقيكم البرد. وقيل أيضاً: ذكر الدانية القريبة، وترك البعيدة؛ لأن النعمة في القريبة أكثر.
قال أبو عبيد: «وإذَا ثَنَّيْتَ» قِنْواً «قلت: قِنْوانِ بكسر النون ثم جاء جمعه على لفظ الاثنين مثل: صِنْو وصِنْوَان، والإعراب على النون في الجمع [وليس لهما في كلام العرب نظير؛ قال الشاعر: [الطويل]
٢٢٧٠ -................... وقال بِقِنوانٍ البُسْرِ أحْمَرَا
قال شهبا الدين: إذا وقف على» قنوان «المُثَنّى رفعاً، وعلى» قنوان «جمعاً وقع الاشتراك اللفظي، ألا ترى أنك إذا قلت» عندي قنوان «وقفاً احتمل ما ذكرته في التثنية والجمع، وإذا وصلت وقع الفرق، فإنك تجعل الإعراب على النون حال جمعه كغِرْبَان وصردان، وتكسر النون في التثنية، ويقع الفرق أيضاً بوجوه آخر:
منها انقلاب الألف ياء نصباً وجراً في التقينة نحو رأيت قِنْويك وصنويْكَ، ومررت بِقنويْك وصِنْوَيْك.
ومنها: حذف نون التثنية إضافة وثبوت النون في الجمع].
نحو: جاء قواك وصنواك [ونوانك وصنوانك] ومنها في النسب فإنك تحذف علامتي التثنية، فتقول: قنوي وصنوي، ولا تحذف الألف والنون إذا أردت الجمع بل تقول: قنواني وصنواني، وهذا اللفظان في الجمع تكسراً يشبهان الجمع تصحيحاً، وذلك أن كُلاًّ منهما لحق آخره علامتان في حال الجمع مزيدتان، ولم يتغير معهما بناء الواحد، والفرق ما تقدم.
وأيضاً فإن الجمع من قِنْوان وصِنْوَان إنما فهمناه من صيغة فعلان، ولا من الزيادتين، بخلاف «الزيدين» فإن الجمع فهمناه منهما، وهذا الفصل الذي من محاسن علم الإعارب والتصريف واللغة.
وقال الراغب: بعد أن ذكر أنه العِذق: والقناة تُشْبِهُ القِنْوَ في كونها غُصْنَيْنِ، وأما القناة التي يجري فيها الماء قيل لها ذلك؛ لأنها تشبه القناة في الخطِّ والامتداد.
وقيل: أصلة من قَنَيْتُ الشيء إذا ادّخرته؛ لأنها مُدَّخرة للماء.
وقيل: هو من قَانَاهُ أي: خالطه.
قال امرؤ القيس: [الطويل]
| ٢٢٧١ - كبِكْرِ مُقَانَاةِ البيَاضِ بِصُفْرَةٍ | غَذَاهَا نُمَيْرُ غَيْرَ مَحَلِّلِ |
والطَّلْعُ: أوَّل ما يخرج من النَّخْلة في أكْمامِهِ.
قال أبو عبيد: الطَّلْعُ الكُفُرَّى قبل أن تَنْشَقَّ عن الإغريض والإغْريضُ يسمى طلعاً يقال: أطلعت النخلة إذا أخرجت طلعها تطلع إطلاعاً وطلع الطلع يطلع طلوعاً؛ ففرقوا بين الإسنادين، وأنشد بعضهم في مراتب ام تثمره النخل قول الشاعر: [الرجز]
| ٢٢٧٢ - إنْ شِئْتَ أنْ تَضْبِطَ يَاخَلِيلُ | أسْمَاء مَا تُثْمِرُهُ النَّخِيل |
| فَاسْمَعْهُ مَوْصُوفاً عَلَى مَا أذْكُرُ | طَلْعٌ وبَعءدَهُ خلالٌ يَظْهَرُ |
| وبَلَحٌ ثُمَّ يَلِيهِ بُسْرُ | ورُطَبٌ تَجْنِيهِ ثُمَّ تَمْرُ |
| فَهَذِهِ أنْواعُهَا يَا صِاحِ | مَضْبُوطَةً عَنْ صَاحِبِ الصِّحَاحِ |
ويجوز أن ينتصب «جنات» نسقاً على «خَضِراً»، وجوز الزمخشري - وجعلهُ الأحسن - أن ينتصب على الاختِصَاصِ، كقوله: والمقيمي الصلاة [الحج: ٣٥].
قال: «لفضل هذين الصِّنفين» وكلامه يفهم أن القراءة الشهيرة عنده رفع «جَنَّات» والقراءة بنصبهما شاذَّة، فإنه أوَّل ما ذكر توجيه الرَّفْع كما سياتي، ثم قال: وقرئ «وجنات» بالرفع وفيها ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنها مرفوعة بالابتداء، والخبر محذوف، واختلفت عبارة العربين في تقديره فمنهم من قدَّرهُ متأخراً ومنهم من قدَّرَهُ متقدماً؛ فقدَّره الزمخشري متقدماً أي: وثمَّ جنات، وقدره أبو البقاء: ومن الكَرْمِ جنَّاتٌ، وهذا تقدير حسن لِمُقابلةِ قوله: «ومِنَ النَّخْل» أي: من النخل كذا، ومن الكرم كذا، وقدَّرهُ النَّحَّاسُ «ولَهُمْ جنَّاتٌ»، وقدره ابن عطية: «ولكن جنَّات».
ونظيره قوله في قراءته وَحُورٌ عِينٌ [الواقعة: ٢٢] بعد قوله: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ [الواقعة: ١٧، ١٨] أي: ولهم حُورٌ عين، ومثل هذا اتَّفَقَ على جوازه سيبويه، والكسائي، والفراء.
وقدره الزمخشري، وأبو حيان متأخراً؛ فقال: أي: وجنات من أعناب أخْرجناها قال الشيخ: ودلَّ على تقديره قوله قبل: «فأخْرَجْنَا» كما تقول: أكرمت عبد الله وأخوه، أي: وأخوه أكرمته.
قال شهاب الدين: وهذا التَّقديرُ سَبَقَهُ إليه ابن الأنْبَارِيّ، فإن قال: «الجنَّات» رفعت بمضمر بعدها تأويلها: وجنات من أعناب أخرجناها، فجرى مجرى قول العرب «أكرمت عبد الله وأخوه» تريد وأخوه أكرمته.
قال الفرزدق: [الطويل]
| ٢٢٧٣ - غَدَاةَ أحَلَّتْ لابْنِ أصْرَمَ طَعْنَةٌ | حُصَيْنٍ عَبِيطاتِ السِّدائِفِ والخَمْرُ |
| ٢٢٧٦ - فِي قِبَابٍ حَوْلَ دَسْكَرَةٍ | حَوْلَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعَا |