تفسير المفردات : خضرا : أي نباتا غضا أخضر، متراكما : أي بعضه فوق بعض، والنخل والنخيل : واحدهما نخلة، والطلع : أول ما يطلع أي يظهر من زهرها قبل أن ينشق عنه غلافه، والقنوان واحدها قنو : وهو العذق الذي يكون فيه الثمر وهو من النخل كالعنقود من العنب والسنبلة من القبح، ودانية : أي قريبة التناول، مشتبها وغير متشابه : أي متشابها في بعض الصفات وغير متشابه في بعض آخر، وينعه : أي حين يينع ويبدو صلاحه وينضج.
المعنى الجملي : بعد أن أثبت سبحانه أمر التوحيد، ثم أردفه بتقرير أمر النبوة والبعث وذكر مسائل لها ملابسات لهذه الأصول، عاد هنا وفصّل طائفة من آيات التكوين تدل أوضح الدلالة على وحدانيته تعالى وقدرته، وعلمه وحكمته، وبيان سننه في خلقه وحكمه في الإحياء والإماتة والأحياء والأموات، وتقديره وتدبيره لأمر النيرات في السماوات، وإبداعه في شؤون النبات.
ثم ذكر بعد ذلك آية أخرى من آيات التكوين وهي إنزال الماء من السماء وجعله سببا للنبات فقال : وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا . الإيضاح : وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا أي وهو الذي أنزل من السحاب ماء فأخرجنا بسبب هذا الماء كل صنف من أصناف النبات المختلف في شكله وخواصه وآثاره اختلافا متفاوتا في مراتب الزيادة والنقصان كما قال : يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل [ الرعد : ٤ ].
فأخرجنا من النبات الذي لا ساق له شيئا غضا أخضر وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة كساق النجم وأغصان الشجر، نخرج منه أي من هذا الأخضر المتشعب النبات آنا بعد آن حبا متراكبا بعضه فوق بعض وهو السنبل.
وهذا تفصيل لنماء النجم الذي لا ساق له من النبات ونتاجه.
ثم عطف عليه حال نظيره من الشجر فقال :
ومن النخل من طلعها قنوان دانية أي ونخرج من طلع النخل قنوانا دانية القطوف سهلة التناول.
وجنات من أعناب أي ونخرج من ذلك الخضر جنات من أعناب.
والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه أي وأخص من نبات كل شيء الزيتون والرمان حال كون الرمان مشتبها في بعض الصفات، وغير مشتبه في بعض آخر فإنها أنواع تشتبه في شكل الورق والثمر، وتختلف في لون الثمر وطعمه، فمنها الحلو والحامض والمز، وكل ذلك دال على قدرة الصانع وحكمة المبدع جل شأنه.
انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه أي انظروا نظرة استبصار واعتبار إلى ثمر ما ذكر إذا أخرج ثمره، وكيف يخرج ضئيلا لا يكاد ينتفع به، وإلى ينعه ونضجه، وكيف إنه يصير ضخما ذا نفع عظيم ولذة كاملة، ثم وازنوا بين صفاته في كل من الحالين، يستبن لكم لطف الله وتدبيره، وحكمته في تقديره، وغير ذلك مما يدل على وجوب توحيده.
إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون أي إن في ذلكم الذي أمرتم بالنظر إليه لدلائل عظيمة على وجود القادر الحكيم ووحدانيته، لمن هو مؤمن بالفعل، ولمن هو مستعد للإيمان.
أما غيرهم فإن نظرهم لا يتجاوز الظواهر ولا يعدوها إلى ما تدل عليه من وجود الخالق ووحدانيته التي إليها ينتهي النظام، فهم لا يغوصون ليصلوا إلى أسرار عالم النبات، ولا يبحثون عن أن انتقاله من حال إلى حال على ذلك النمط البديع دال على كمال الحكمة، وعلى أن وحدة النظام في الأشياء المختلفة لا يمكن أن تصدر من إرادات متعددة.
تفسير المراغي
المراغي