ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤ

البرهان الثالث : إحياء الأرض بعد موتها، المشار إليه بقوله هنا : وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء ( الأنعام : آية ٩٩ )لأن من يحيي الأرض، ويخرج النبات بعد الإنعدام قادر- بلا شك – على أن يحيي الأنفس الإنسانية بعد العدم، لأن الكل من باب واحد، كله جرم خلقه الله أولا وانقرض وانمحى، وقد عاينا أنه يعيد النباتات، فتجد الأرض بحليها وحللها من أنواع النبات، ثم ييبس، وتذروه الريح، ويصير هشيما، ثم إن الله يوجد في الأرض شيئا كثيرا بعد فنائه، فمن أحيا الأرض و أنبت النبات بعد أن انعدم : فلا شك أنه قادر على خلق الإنسان، وإنبات الآدميين بعد أن أكلتهم الأرض.
ترى الأرض خاشعة فإذا انزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير ٣٩ }( فصلت : آية ٣٩ ) وكقوله جل وعلا : حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون }( الأعراف : آية ٥٧ ) أي : فإخراجنا للنبات بعد الإنعدام كذلك اخراجنا للموتى بعد أن أكلتهم الأرض. وكقوله جل وعلا : فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير٥٠ ( الروم : آية٥٠ ) وكقوله تعالى : فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون١٧ وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون١٨ يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون ١٩ ( الروم : الآيات ١٧-١٩ ) أي من قبوركم أحياء بعد الموت، وكقوله تعالى : ونزلنا من السماء ماءا مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد ٩ والنخل باسقات لها طلع نضيد١٠ رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج ١١ ( ق : الآيات ٩-١١ ) أي كخروج النبات الذي تشاهدون كذلك الخروج أي : خروجكم من قبوركم أحياء بعد الموت. والآيات الدالة على هذا كثيرة جدا كما قال جل وعلا : سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى ( الأعراف : آية ٥٧ ) كذلك الإخراج نخرج الموتى، ولذا قال ( جل وعلا ) ينزل الماء من السماء، لأن الله قال : فلينظر الإنسان إلى طعامه٢٤ ( عبس : آية ٢٤ )وقوله : فلينظر صيغة أمر تدل على الوجوب، فإذا لم ينظر الإنسان إلى طعامه كان مخالفا للأمر السماوي من خالق السماوات والأرض. وما يدريه أن الله كما قال لإبليس : ما منعك ألا تسجد إذا أمرتك ( الأعراف : آية ١٢ ) ما منعك ألا تنظر إلى طعامك إذا أمرتك ؟
وهذا النظر المامور به إلى الطعام كأن الله يقول لك : انظر يا عبدي لتعلم عظمتي وقدرتي، وتعرف قدرك، وضعفك، وعجزك، انظر إلى الخبز الذي تأكله، وتقيم به أودك، من هو الذي خلق الماء الذي نبت بسببه ؟ أيقدر احد غير الله أن يخلق هذا الجرم اللطيف الذي يحيي به الله الجسام، وينبت به النباتات ؟ لا والله لا يقدر على خلقه إلا الله.
هب أن الماء خلق، فمن يقدر على إنزاله، وسقي الأرض به مع سعة رقعتها ؟ من يقدر على انزاله على هذا الأسلوب الغريب العجيب الذي ينزل رشاشا ؟ فلو كان منزله قطعة واحدة متصلا بعضه ببعض. ولو نزل المطر الغزير قطعة واحدة لأهلك كل من سقط عليه، وترك الخلق اثرا بعد عين، لأن الله تعالى بين كيفية إنزاله إياه، وما في ذلك من الغرائب والعجائب ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله ( النور : آية ٤٣ )الودق : المطر يخرج من خلال السحاب، أي : من فتوق المزن وثقوبه التي جعلها الله فيه، وهو إنما يأتي به قادر يصرفه كيف يشاء. ولكن الله بين في السورة الكريمة-سورة الفرقان –أنه ينزل الماء هذا الإنزال الهائل الغريب العجيب، وأن كثيرا من الناس يأبى في هذه الغرائب والآيات إلا الكفر- والعياذ بالله-، لأن الله قال : وأنزلنا من السماء ماء طهورا لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا ٤٩ ولقد صرفناه بينهم ليذكروا ( الفرقان : الآيات ٤٨-٥٠ ) يعني : صرفنا الماء بين الناس، تارة نغدق المطر على قوم لتخصب أرضهم، وتنبت زروعهم، ويكثر خير مواشيهم، اختبارا لهم وابتلاء هل يشكرون نعمنا ؟ ونصرفه عن قوم كانو في خصب حتى يجدبوا، لنختبرهم بذلك الجدب، والفقر، وهلاك المواشي، والزروع : أيتعظون، وينيبون إلينا ؟ ولما قال : ولقد صرفناه بينهم ليذكروا قال : فأبى أكثر الناس إلا كفورا ( الفرقان. آية ٥٠ ) ومن الناس الذين أبوا إلا كفورا : الكفرة، وأذناب الكفرة، الذين يزعمون أن السحاب لم ينزله ملك مقتدر، وإنما هي طبائع، وأن الماء تتفاوت عليه درجات الشمس، أو احتكاك الهواء حتى يتبخر وتتصاعد أبخرته، فتتجمع ثم تلاقى هواء حارا، ثم تزعزعها الريح، فتفرقها، وأن هذا ليس فعل فاعل ! ! هؤلاء الذين يقول الله فيهم : فأبى أكثر الناس إلا كفورا وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم في تلك السحابة- التي أنزلها الله ليلا- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" أسمعتم ما قال ربكم البارحة ؟ قال : أصبح من عبادي مؤمن بي كافر بالكوكب، وأصبح من عبادي كافر بي مؤمن بالكوكب. أما الذين قالو : مطرنا بفضل الله وبرحمته، فهذا مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما الذي قال : مطرنا بنوء كذا، فهو كافر بي مؤمن بالكوكب " ومثله الذي يقول : مطرنا ببخار كذا ! ! لأن السحاب ينزله ملك مقتدر، يخلق ماءه أولا، وبين خلقه قال : ألم ترى أن الله يزجي سحابا
أي : يسوقه ثم يؤلف بينه يضم بعضه إلى بعض ثم يجعله ركاما متراكبا يعلو بعضه فوق بعض فترى الودق يعني المطر يخرج من خلاله ( النور : آية ٤٣ ) جمع خلل، أي : من ثقوب المزن وفروجه : ينزل منها، لأنه يجعل وعاءه كالغرابيل، ينزل منها المطر، على قدر ما يشاء الله جل وعلا ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا٥٠ ( الفرقان : آية ٥٠ ).
هب أن الماء خلق، وأن المطر أنزل على هذا الأسلوب الغريب العجيب، من هو الذي يقدر أن يشق الأرض ويخرج منها مسمار النبات ؟
هب ا أن مسمار النبات خرج، من هو الذي يقدر أن يشقه ويخرج منه السنبلة ؟
هب أن السنبلة وجدت، من هو الذي يقدر ان يخرج حبها وينميه، وينقله من طور إلى طور حتي يصير صالحا مدركا نافعا للأكل ؟ كما ينبهنا الله على هذا في هذه الآية التي نحن عندها في قوله انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ( الأنعام : آية ٩٩ )انظروا الثمر عندما يبدوا، وانظروه عندما يدرك ناضجا صالحا للأكل، تعلمون أن الذي نقله منذ تلك الحال الأولى إلى حالة الإنتفاع هذه، أنه رب قادر عظيم، هو الخالق وحده، المعبود وحده ( جل وعلا )، ولذا قال جل وعلا : وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء ( الأنعام : آية٩٩ ) الباء : سببية، والله ( جل وعلا ) يسبب ما شاء على ما شاء من الأسباب ولو شاء أن تنخرم الأسباب لانخرمت، فهو ( جل وعلا ) يفعل كيف يشاء، ويسبب ما شاء من المسببات، على ما شاء من الأسباب، ويبين لنا في كتابه غرائب وعجائب وعبرا نعلم بها أنه لا تأثير إلا لله وحده، وأنه لو شاء أن لا تؤثر الأسباب لم تؤثر، ومن ذلك ما قص علينا في سورة الأنبياء وغيرها من سور القرآن أنه ألقي إبراهيم في نار نمرود وقومه، ألقي إبراهيم في نار تضطرم، تأكل الحطب حتى تتركه رمادا، ألقي فيها إبراهيم والحطب، فأكلت الحطب بحرارتها فتركته رمادا، وصارت بردا على إبراهيم. ولو لم يقل الله. كوني بردا وسلاما ( الأنبياء : آية ٦٩ )لو لم يقل : وسلاما لأهلكه بردها، والنار لا عقل لها ولا إدراك تحرق به الحطب وتترك إبراهيم. وذلك يبين أن الفاعل هو الخالق ( جل وعلا )، وأنه يسبب ما شاء على ما شاء من المسببات. ويوضح لنا هذا : أن السبب تارة يكون مناقضا للمسبب وينتج الشيء من نقيضه، كما قدمنا في هذه الدروس في قصة قتيل بني إسرائيل لأنه لما أراد الله ان يحييه قال لهم : اذبحوا بقرة، فذبحت البقرة، وصارت ميتة، وقطعت منها وصلة، وهي ميتة، قطعة من بقرة ميتة، ليس فيها من الحياة شيئ، فضربوه بها فحيي، /وأخبرهم بقاتله ! ! لو ضربوه بالبقرة حية لربما قال جاهل : قد استفاد الحياة منها، وسرت حياتها فيه ! ! اما هو فقد أمرهم ان يميتوها، ويذبحوها، ويضربوه بقطعة منها فحيى ! ! فمن أين وجدت هذه الحياة من هذا الضرب بقطعة من بقرة ميتة ؟ وذلك برهان قاطع على أن الله يسبب ما شاء على ما شاء من الأسباب ؟ لأجل هذا قال : فأخرجنا به أي : بسببه نبات كل شيء .
قوله : نبات كل شيء أي : جميع أصناف النباتات مما يأكله الناس والأنعام كما قال جل وعلا : كلوا وارعوا أنعامكم }( طه : آية ٥٤ ) فينبت للناس أنواع النبات مما هو قوت كالقمح والشعير ونحوهما، ومما هو فاكهة، وينبت لهم المرعى لحيواناتهم، لأن الحيوانات إذا أكلت المرعى المليء كثرت ألبانها، وأزبادها، ولحومها، وكثرت جلودها، وأصوافها، وأوبارها، وأشعارها، إلى غير ذلك من منافعها بسبب الماء، ولذا قال : فأخرجنا به نبات كل شيء .
فأخرجنا منه أي : من نبات كل شيء.
خضرا الخضر : هو صفة مشبهة من ( خضر ) فهو ( خضر و أخضر )والمراد بالخضر هنا : الذي ينبت أخضر كالبقول ونحوها. لأن القمح والشعير وما جرى مجراهما ينبت أولا نبات البقول.
ثم قال نخرج منه أي : من ذلك الخضر النابت.
حبا متراكبا يعلو بعضه بعضا كالسنبل : فإنك تجد السنبلة يتراكب فيها الحب ويعلو بعضه بعضا وهذا معنى قوله : نخرج منه حبا متراكبا .
وقوله : ومن النخل من طلعها قنوان دانية قراءة الجمهور : ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات بالنصب، لأن الكسرة علامة هنا للنصب.
وقوله : ومن النخل من طلعها قنوان دانية النخل من جنس المنبت بهذا الماء، إلا أن الله قطعه، وجاء به في صيغة جملة مستأنفة من مبتدأ وخبر وتنويها بشأن النخل، لأن النخل كله منافع.
وجرت العادة في القرآن : أنه إذا ذكر الإنعام بالتمر ذكر باسم شجرته التي هي النخلة، وإدا ذكر الإنعام باسم العنب ذكره باسم الثمرة التي هي العنب. هذه القاعدة مطردة في القرآن.
قال بعض العلماء : إنما ذكر شجرة التمر التي هي النخلة لأن النخلة كلها منافع، فتمرها بعض منافعها. فلو عبر بالتمر لأهمل منافع النخل الكثيرة، لأن منافع النخل الكثيرة ؛ لأن النخل كلها منافع ؛ لأن خوصها تصنع منه القفاص، وجريدها تصنع منه الحصر، وتصنع منها الحبال، ولبها يؤكل، وجدعها يسقف به، وكرنافها يوقد به، فجميع ما فيها منافع.
أما شجرة العنب : فليس في نفس الشجرة من المنافع مافي النخلة، فأعظم منافعها في ثمرتها.
وقوله ومن النخل النخل : جميع نخلة. وقيل : هو جنس أو إسم جمع وهو يذكر ويؤنث، لأن الله ذكره في قوله كأنهم أعجاز نخل منقعر ( القمر : آية ٢٠ ) ولم يقل : منقعرة. وأنثه في قوله : كأنهم أعجاز نخل خاوية ( الحاقة : آية ٧ )وهذا معروف في كلام العرب، أن أسماء الأجناس تذكر وتؤنث.
قال بعض العلماء : فإن قيل له :( نخيل ) لم يجز تأنيثه.
وقوله : ومن النخل من طلعها يطلق ( الطلع ) على أول ما يخرج من النخلة، لأنه يخرج أولا قبل ان ينفتح يسمى ( كما )، ثم ينفتح على النور المسمى ب( الإغريض ). وهذا هو المراد بقوله : من طلعها . وربما يط

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير