قال ابن عباس: (يعني: قبل حلول العذاب وقبل الموت). وقوله: وَآمَنُوا، قال: (يريد: صدّقوا أنه لا إله غيري ولا شريك معي) (١).
١٥٤ - قوله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ، قال المفسرون (٢)، وأهل اللغة (٣): (أي: سكن)، والسكوت أصله السكون والإمساك عن الشيء، وإنما يقال: سكت إذا أمسك عن الكلام، وجاز سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ، ولا يجوز صمت هاهنا؛ لأن سَكَتَ بمعنى: سكن وصمت (٤) معناه: سدّ فاه عن الكلام.
قال أصحاب النظر: (وإنما قيل لسكون الغضب: سكوت، وليس الغضب مما يجوز أن يتكلم (٥) لأنه لما كان بفورته (٦) دالًا على ما في النفس للمغضوب عليه، كان بمنزلة الناطق بذلك، فإذا سكنت تلك الفورة كان بمنزلة الساكت عما كان متكلمًا).
(٢) انظر: "مجاز القرآن" ١/ ٢٢٩، و"معاني الأخفش" ٢/ ٣١١، و"غريب القرآن" لليزيدي ص ١٥٠، و"تفسير غريب القرآن" ص ١٨١، و"تفسير الطبري" ٩/ ٧١، و"نزهة القلوب" ص ٢٦٤، و"معاني النحاس" ٣/ ٨٥، و"تفسير السمرقندي" ١/ ٥٧٢، و"تفسير المشكل" ص ٨٧
(٣) انظر: "العين" ٥/ ٣٠٥، و"الجمهرة" ١/ ٣٩٨، و"تهذيب اللغة" ٢/ ١٧١٨، و"الصحاح" ١/ ٢٥٣، و"المجمل" ٢/ ٤٦٨، و"مقاييس اللغة" ٣/ ٨٩، و"المفردات" ص ٤١٦، و"اللسان" ٤/ ٢٠٤٦ (سكت).
(٤) انظر: "العين" ٧/ ١٠٦، و"تهذيب اللغة" ٢/ ٢٠٥١، و"الصحاح" ١/ ٢٥٦، و"المجمل" ٢/ ٥٤٠، و"معجم المقاييس" ٣/ ٣٠٨، و"اللسان" ٤/ ٢٤٩٣ (صمت).
(٥) في (ب): (يتكلم به).
(٦) في (ب): (لأنه كان نفورته)، وهو تحريف.
وقال عكرمة: (المعنى: سكت موسى عن الغضب) (١) فقلب؛ كما قالوا: أدخلت القلنسوة (٢) في رأسي، والمعنى: أدخلت رأسي في القلنسوة، قال أبو إسحاق: (والقول الأولى، الذي معناه: سكن، وهو قول أهل العربية) (٣).
وقوله تعالى: أَخَذَ الْأَلْوَاحَ؛ لأنه كان قد ألقاها.
وقوله تعالى: وَفِي نُسْخَتِهَا. قد ذكرنا معنى النسخ (٤) فيما تقدم، وهو: اكتتابك كتابًا عن كتاب حرفًا بحرف، تقول: نَسَخْتُه وانْتَسَخْته، فالأصل نُسْخةٌ، والمكتوب عنه نُسخةٌ؛ لأنه قام مقامه (٥).
قال ابن عباس (٦) وعمرو بن دينار (٧): (لما ألقى موسى الألواح تكسرت، فصام أربعين يومًا، فردت عليه، وأعيدت الألواح، وفيها الذي في الأولى) (٨). فعلى هذا معنى: وَفِي نُسْخَتِهَا. أي: فيما (٩) نسخ منها،
(٢) القَلَنْسُوة: من ملابس الرؤوس معروفة، انظر: "اللسان" ٦/ ٣٧٢٠ (قلس).
(٣) "معاني الزجاج" ٢/ ٣٧٩، وقال الخازن ٢/ ٢٩٣: (والقول الأول أصح لأنه قول أهل اللغة والتفسير) اهـ. وقال السمين في "الدر" ٥/ ٤٧٢: (القول بالقلب ينبغي أن لا يجوز لعدم الاحتياج إليه مع ما في القلب من الخلاف) اهـ.
(٤) انظر: "البسيط" النسخة الزهرية ١/ ٧٨ ب.
(٥) هذا قول الأزهري في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٥٥٨ (نسخ).
(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١٩٨ أ، والبغوي ٣/ ٢٨٥، والرازي ١٥/ ١٥، والقرطبي ٧/ ٢٩٣، والخازن ٢/ ٢٩٣.
(٧) عمرو بن دينار لعله: عمرو بن دينار الجمحي، أبو محمَّد المكي الأثرم، تقدمت ترجمته.
(٨) ذكره الثعلبي ١٩٨ أ، والبغوي ٣/ ٢٨٥، الخازن ٢/ ٢٩٣.
(٩) في (ب): (أي وفيما).
وإن كانت الألواح لم تتكسر، وأخذها موسى بعينها بعد ما ألقاها، فمعنى: وَفِي نُسْخَتِهَا. أي: وفي المكتوب فيها، وذلك المكتوب انتسخ من أصل فيسمى نسخة.
وقوله تعالى: هُدًى وَرَحْمَةٌ. قال ابن عباس (١) وغيره (٢): (هدى من الضلالة، ورحمة من العذاب). لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ. قال: (يريد: الخائفين من ربهم) (٣). واختلفوا في وجه دخول اللام في قوله لِرَبِّهِمْ؛ فقال الكسائي: (٨) تقدم المفعول على الفعل حسنت اللام) (٤)، قال: (وهذا مما مات من الغريب، وقد كان يقال: لك أكرمت، ولك حدثت (٥)، فمات ولو قلت: (أكرمت لك) تريد: أكرمتك، كان قبيحًا، وهو جائز، كما تقول: هو مكرم لك، وهو ضارب لك، بمعنى: مكرمك وضاربك، فحسن في موضع وقبح في آخر والأصل واحد) (٦).
قال النحويون: (لمّا تقدم المفعول ضعف عمل الفعل فيه، فصار بمنزلة ما لا يتعدى، فأدخل اللام) (٧).
(٢) انظر: "تفسير الطبري" ٩/ ٧١، و"معاني النحاس" ٣/ ٨٥، والسمرقندي ١/ ٥٧٢.
(٣) "تنوير المقباس" ٢/ ١٣٥، وذكره ابن الجوزي ٣/ ٢٦٧، والخازن ٢/ ٢٩٣.
(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" ١٩٨ أ، والبغوي ٣/ ٢٨٦.
(٥) في (ب): (ولك حديث).
(٦) لم أقف عليه.
(٧) انظر: "اللامات" للزجاجي ص ١٤٧، و"الهروي" ص ٣٤، وقال ابن هشام في "المغني" ١/ ٢١٧: (هي لام التقوية، وهي المزيدة لتقوية عامل ضعف إما بتأخر نحو هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ أو بكونه فرعا في العمل) اهـ.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي