وإذا صُرِفت أبصارُهم تلقاءَ أصحابِ النار أي : التفتوا إليهم على وجه القلة، تعوذوا من حالهم، قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين في النار.
وعلى الأعراف ؛ وهو البرزخ الذي بين الحقيقة والشريعة، رجال من أهل الاستشراف، يعرفون كلاًّ من العوام والخواص بسيماهم، ونادروا أصحاب الجنة أي : الواصلين إلى جنة المعارف : أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون، لأنهم في حالة السير وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار، أي : نار الحجاب والتعب، وهم العوام، قالوا : ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين. تَرَكنَا البُحور الزَّخراتِ ورَاءنا فَمِن أين يَدري النَّاسُ أينَ توجَّهنَا
الإشارة : إذا وصل أهل الجد والتشمير إلى حضرة العي الكبير ؛ نادوا أهلَ البطالة والتقصير، فقالوا لهم : قد وجدنا ما وعدنا ربنا ؛ من كشف الحجاب والدخول مع الأحباب، حقًا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا كما وجدنا نحن ؟ قالوا على وجه الدعوى والغلط : نعم، فأذن مؤذن بينهم، بلسان الحال : أن لعنة الله على الظالمين ؛ الذين بقوا مع حظوظ أنفسهم، ولم يخرقوا شيئًا من عوائدهم، مع تراميهم على مراتب الرجال، وادعائهم بلوغ غاية الكمال، الذين يصدون عن طريق الخصوص ويبغونها عوجًا، وهم بالخصلة الآخرة ـ وهي إشراق نور الحقيقة على أهل التربية ـ هم كافرون، وبينما حجاب كبير، وهو حجاب الغفلة، فلا يعرفون أهل اليقظة، وهم أهل مقام الإحسان، بل بينهما مفاوز ومهَامِه١، كما قال الشاعر :
| تَرَكنَا البُحور الزَّخراتِ ورَاءنا | فَمِن أين يَدري النَّاسُ أينَ توجَّهنَا |
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي