ﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ٤٤ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ ٤٥ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ٤٦ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين ٤٧
بعد أن ذكر سبحانه النار وأهلها والجنة وأهلها، بين لنا في هذه الآيات وما بعدها بعض ما يكون بين الفريقين فريق الجنة وفريق السعير من الحوار بعد استقرار كل منهما في داره، وتمكنه في قراره وهي تدل على الدارين في عالم واحد، أو أرض واحدة، يفصل بينهما حجاب هو سور واحد لا يمنع من إشراف أهل الجنة وهم في عليين، على أهل النار وهم في سجين من هاوية الجحيم، فيخاطب بعضهم بعضا بما يزيد أهل الجنة عرفانا بقيمة نعمة الله عليهم ويزيد أهل النار حسرة على تفريطهم وشقاء على شقائهم، ولا يقتضي هذا النوع من الاتصال القرب المعهود عندنا في الدنيا بين المتخاطبين وهو كون المسافة بينهما تقاس بالذراع أو الباع، بل يجوز أن تكون بحيث تحدد بما عندنا من الأشهر أو الأيام، لأن شأن الآخرة أن تغلب فيه الروحانية على المادة الجسدية فيمكن للإنسان أن يسمع من هو على بعد شاسع منه يراه، وقد كان هذا المعنى غريبا بعيدا عن المألوف عند أجدادنا الأولين، ولا يكاد يوجد الآن في العالم المدني من يستعبده بعد اختراع البشر للآلات التي يتخاطبون بها من أبعاد ألوف الأميال، إما بالإشارات الكاتبة كالتلغراف السلكي واللاسلكي أو بالكلام اللساني كالتليفون السلكي واللاسلكي وقد نبأتنا أخبار الاختراعات في الشمال بصنع آلة تجمع بين الرؤية والخطاب، إن كان لما يتم صنعها فقد كاد.
وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين أفاد هذا التعبير بالفعل المبني للمجهول أنهم يوجهون أبصارهم إلى أصحاب الجنة بالقصد والرغبة ويلقون إليهم السلام، وأنهم يكرهون رؤية أصحاب النار فإذا صرفت أبصارهم تلقاءهم أي حولت إلى الجهة التي تلقاهم وتبصرهم فيها وإنما يكون ذلك عن غير توخ ولا رغبة، بل بصارف يصرفهم إليها أو بمقتضى سرعة تحولها من جهة إلى جهة قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين حيث هم ولا حيث يكونون. وهذا الدعاء لا يظهر صدوره من الملائكة إلا بتأويل أن المراد به استعظام حال الظالمين واستفظاع مآلهم، لا حقيقة الدعاء ويجاب بهذا الأخير من أنكر أن يكون الأنبياء هم أصحاب الأعراف.
والإنصاف أن هذا الدعاء أليق بحال من استوت حسناتهم وسيئاتهم، وكانوا موقوفين مجهولا مصيرهم. وروى ابن جرير عن شعبة أن حذيفة رضي الله عنه ذكر أصحاب الأعراف فقال : هم قوم تجاوزت بهم حسناتهم النار وقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة فإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين، فينما هم كذلك إذ اطلع عليهم ربك فقال لهم فاذهبوا فادخلوها الجنة فإني قد غفرت لكم.
وعن سعيد بن جبير أن ابن مسعود رضي الله عنه قال : يحاسب الله الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ثم قرأ قول الله فمن ثقلت موازينه ( المؤمنون ١٠٢ ) الآيتين ثم قال : إن الميزان يخف بمثقال حبة ويرجح. قال ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط ثم عرض أهل الجنة وأهل النار فإذا نظروا إلى أهل الجنة قالوا : سلام عليكم وإذا صرفت أبصارهم إلى يسارهم رأوا أهل النار فقالوا : ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ( الأعراف ٤٧ ) تعوذوا بالله من منازلهم ( قال ) فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورا يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم ويعطى كل عبد يومئذ نورا وكل أمة نورا. فإذا أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة. فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون ( قالوا ربنا أتمم لنا نورنا ) وأما أصحاب الأعراف فإن النور كان في أيديهم فلم ينزع من أيديهم فهنالك يقول تعالى : لم يدخلوها وهم يطمعون فكان الطمع دخولا ( قال سعيد ) فقال ابن مسعود على أن العبد إذا عمل حسنة كتب له بها عشر وإذا عمل سيئة لم تكتب إلا واحدة ثم يقول : هلك من غلب واحدته أعشاره اه.
فهذا أوضح بيان مفصل للقول الذي اعتمد الجمهور، وللأثرين الموقوفين فيه قوة الحديث المرفوع، وظاهره أن هذا كله يقع بعد الموقف وقبل أن يجعل هؤلاء الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم على الأعراف، فإن السور الذي فسرت الأعراف به أو بأعاليه يضرب بعد ذهابهم من الموقف يسيرون بنورهم إلى الجنة، كما هو ظاهر آية سورة الحديد. وقد ذكرناها عند تفسير كلمة الأعراف. وفيه أنه تعالى ذكر معرفتهم لأصحاب الجنة وأصحاب النار بسيماهم ونداءهم بالسلام على أهل الجنة بعنوان أنهم أصحاب الأعراف، ولا يصح هذا العنوان قبل وجودهم عليها إلا إذا ثبت أنهم يسمون أصحابها قبل ذلك، أو على التأويل بجعله من مجاز الأول كقوله أعصر خمرا ( يوسف ٣٦ ) ويجاب عن تخصيص الرجال بالذكر بأنهم هم الذين يخاطبون أهل الجنة وأهل النار دون من معهم من النساء.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير